كتاب الرأي

الغرور حين يصبح طوفانًا… فمن ينجو، وأين سفينة النجاة؟

    ✍️ بدريه عبدالله الزهراني – كاتبة سعودية :

حين يتضخم الغرور في النفوس، يظن أصحابه أن القوة تحميهم من العواقب، وأن السلطان يمنحهم حق الاستعلاء على الآخرين. لكن صفحات التاريخ لا تزال تكسر شوكة المتكبرين، وتُسقط حساباتهم، وتُبدّد أوهامهم، وتُحبط مخططاتهم؛ فكم من قوة تراجعت، وكم من متكبر اكتشف أن النجاة لا تُشترى بالغرور، وأن الحكمة والتواضع أعظم من ادعاء القوة.

وبين طوفان يكشف حقيقة الغرور، وسفينة تحمل معنى النجاة، تتجلى دروس التاريخ في أبهى صورها؛ فليس كل من امتلك القوة انتصر، ولا كل من علا صوته امتلك الحق. إنما تبقى العبرة في الإيمان الذي يثبّت القلوب، والصبر الذي يصنع المواقف، والشجاعة التي تضبطها الحكمة، والعزيمة التي لا تنفصل عن المسؤولية.

إذا اجتمع الغرور والجهل، ضاقت مساحة الحقيقة، وإذا استبدّ التكبر بالنفس، صار العناد عند صاحبه انتصارًا وهميًا. لكن التاريخ لا يخلّد صخب المتكبرين بقدر ما يخلّد ثبات أصحاب الحق؛ وتبقى قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام درسًا في مواجهة الباطل بالحجة، لا بالغرور.

لقد واجه سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه بالحكمة والبرهان، ودعاهم إلى إعمال العقل في أصنام لا تسمع ولا تنفع ولا تضر. وحين حطّم أصنامهم إلا كبيرًا لهم، أراد أن يوقظ عقولهم ويكشف تناقض اعتقادهم، لكنهم قابلوا حجته بالعناد، وقرروا إحراقه بدلًا من مراجعة أنفسهم. فكانت نجاته بقدرة الله، وبقيت قصته شاهدًا على أن كثرة المعاندين لا تجعل الباطل حقًا، وأن العجز عن مواجهة الحجة لا يُسقط الحقيقة.

ونحن أبناء المملكة العربية السعودية، نقتدي بفصاحة الشاعر حسان بن ثابت رضي الله عنه في الدفاع بالكلمة، وبثبات آل ياسر رضي الله عنهم في الصبر، وبشجاعة عنترة بن شداد في الإقدام وصون الكرامة. ونستلهم من هذه النماذج قيم الحق والثبات والعزة؛ فالقوة ليست مظهرًا واحدًا، بل منظومة من القيم تتكامل فيها الكلمة الصادقة، والنفس الصابرة، والقلب الشجاع، والوفاء للمبادئ.

وفي العزيمة نقرأ دروسًا من سِيَر القادة الذين واجهوا التحديات بالتخطيط والإصرار، ومنهم القائد صلاح الدين الأيوبي، الذي استعاد بيت المقدس عام 1187م. فالتاريخ يعلّمنا أن الإنجازات لا يصنعها الغرور، بل تصنعها الرؤية الواضحة، والعمل المتواصل، ووحدة الهدف.

ونحن أبناء المملكة العربية السعودية، نعتز بديننا، ونخلص لوطننا، ونحافظ على وحدتنا، ونستشعر مسؤوليتنا في حماية أمن بلادنا واستقرارها. ونعتز بقيادتنا، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ونؤمن بأن بناء المستقبل يحتاج إلى العمل والعلم والتكاتف، وإلى تحويل حب الوطن من مشاعر صادقة إلى إنجازات ومسؤوليات نؤديها بإخلاص.

فالأوطان العظيمة تُصان بوحدة أبنائها ووعيهم وإخلاصهم، وتترسخ مكانتها بالحكمة والعدل والعمل، لا بالغرور والاستعلاء. وحب الوطن مسؤولية تُترجم إلى أفعال، ووفاء للمبادئ، ومحافظة على المكتسبات، ومشاركة صادقة في بناء مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا.

العزة في الحق لا في الغرور

ستبقى دروس التاريخ منارات تهدي العقول؛ فالقوة التي لا يضبطها العدل قد تتحول إلى استعلاء، والمعرفة التي لا يصحبها التواضع قد تنقلب إلى غرور، والكلمة التي تخلو من الحكمة قد تصبح أداة للخصام بدل أن تكون جسرًا للحوار.

أما الأوطان العظيمة، فلا تحتاج إلى التكبر لتثبت مكانتها، ولا إلى الانتقاص من الآخرين لتؤكد قوتها؛ يكفيها ثباتها على مبادئها، وعدلها في مواقفها، ووعي أبنائها، وتلاحم شعبها.

نحن أبناء وطن الإيمان والعزيمة، نؤمن أن العزة لا تُبنى على الغرور، وأن القوة لا تكتمل إلا بالحكمة، وأن النصر الحقيقي لا ينفصل عن الحق والعدل. نستمد من ديننا ثباتنا، ومن وحدتنا قوتنا، ومن تاريخنا جذور عزتنا، ومن حب وطننا مسؤوليتنا. نمضي مرفوعي الرأس، راسخي المبادئ، أوفياء لأرضنا وقيادتنا؛ فالشموخ أن نثبت دون أن نتكبر، وأن نمتلك القوة دون أن نتجاوز حدود الحق، وأن نجعل من انتمائنا للوطن عملًا يليق بمكانته.

فالعزة والقوة لا تقومان على الغرور، بل على الإيمان والحكمة والثبات على الحق.

اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها نعمة الأمن والاستقرار، واحفظ قيادتها وشعبها، وصُن مقدساتها، واجعلها دار خير وسلام وازدهار، واجمع أبناءها على المحبة والوفاء، ووفّقهم لما فيه صلاح البلاد والعباد.

قلمٌ يقتفي أثر الجمال ويخلّده، ويعتز بوطنه وقيادته.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى