كتاب الرأي

سياسة الملعقة: كيف تُدار الشعوب وتُصنع الهويات من “حافة القدر”؟

✍️ د. حليمه عبدالله عسيري – أخصائية ومدربة في الثقافة الطهوية والسياحة :

​حين ينظر العالم إلى خريطة السياسة والجغرافيا، يراها خطوطاً وهمية رُسمت باتفاقيات وأعراف دولية. لكن الخريطة الحقيقية للإنسان، تلك التي تتجاوز حدود الدول وتسكن في عظام الذاكرة، رُسمت بـ “الملعقة”.

​التاريخ لا يُكتب فقط في قاعات البرلمانات ولا على طاولات المعاهدات، بل يُطبخ على نار هادئة في قاع القدر. المطبخ البشري لم يكن يوماً مجرد وسيلة بيولوجية لدفع الجوع، بل هو “برلمان صامت” تُشرّع فيه الهويات، وتُحاك من خلاله حروب النفوذ الناعم، وتُورث عبره الذاكرة الجمعية للشعوب دون الحاجة إلى وثيقة خطية واحدة.
​إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يأكل ليبقي على قيد الحياة فحسب، بل يأكل لكي “ينتمي”. خذ أي مهاجر قطع آلاف الأميال واستقر في أقصى الأرض؛ سيمتلك لغة جديدة، وملابس جديدة، وربما أسماءً جديدة، لكنه سيظل يصارع العالم بأسره من أجل حبة “هيل”، أو رشة “كمون”، أو طريقة معينة في إشعال النار تحت طبق تقليدي.

​لماذا؟ لأن المطبخ هو الوطن الوحيد الذي يمكن حمله في الحقيبة. في علم أنثروبولوجيا الطعام، يُنظر للوصفة التقليدية على أنها “كود جيني ثقافي”. حين تفقد الشعوب أوطانها، أو تتعرض هوياتها لضغط الحداثة الجارفة، فإنها تلجأ إلى المطبخ كملجأ أخير ومقاومة بيضاء صامتة. الأكلة الشعبية هي التمرد الأخير على النسيان فحين تطبخ أجدادك في مطبخك المعاصر، فأنت تقول للعالم: أنا هنا، وهذه جذوري التي لا يمكن قلعها
​وفي قطاع السياحة اليوم، تتسابق الدول لترويج معالمها الإسمنتية وطرقها الذكية. لكن السائح الباحث عن الحقيقة لا تبهره الأبراج الزجاجية، بل تدهشه قدرة العجوز في قرية معزولة على تحويل حفنة دقيق وماء وبعض أعشاب البر إلى طقس مقدّس.
​هنا تتجلى السياحة العميقة حيث لا نسافر لنرى، بل لنتذوق زمن الآخرين كل طبق محلي أصيل هو عملية هندسة عكسية لتاريخ المنطقة. لماذا تستخدم المناطق الباردة التوابل الحادة؟ لأنها تدفئ الروح وتحفظ الجسد. ولماذا تعتمد السواحل على التخمير؟ لأنه لغة التحايل على تلف النعمة قبل عصر التبريد. حين نعلّم السياح هذه الفلسفة، فإننا لا نبيعهم وجبة عشاء، بل نمنحهم مفتاحاً لفهم كيف فكر أجداد تلك الأرض وكيف صارعوا الطبيعة لينتصروا بالحياة.
​لكننا اليوم نقف على حافة مقلقة؛ عصر العولمة السريعة الذي حول الطعام إلى سلعة استهلاكية نمطية. المطاعم العابرة للقارات، والوصفات الجاهزة، وأدوات المطبخ الذكية التي تنزع الجهد البشري من الطهي، تكاد تقضي على روح المائدة حين يفقد الطعام صلة الوصل النفسية مع صانعه حين يتحول من إرث بشري مفعم بالطاقة والذاكرة إلى مجرد أرقام سعرات حرارية على شاشة تطبيق فإننا نفقد شيئاً من إنسانيتنا. الطهي البشري هو آخر معاقل الحرفية اليدوية في عالم آلي بارد. التدريب الطهوي الحقيقي اليوم لا يهدف لإنتاج طهاة يجيدون الوقوف أمام الفرن، بل يهدف لخلق “حراس ذاكرة” يدركون أن تغيير مكون واحد لإرضاء الموضة قد يمحو تاريخاً امتد لألف عام.

​في المرة القادمة التي تجلس فيها أمام طبق تقليدي عريق، لا تنظر إليه كمجرد طعام. تذوق الحكاية، واستنشق جغرافيا المكان، وفكر في عدد الأجيال التي تناقلت هذا السر لتصل اللقمة إلى فمك سليمة ومحملة بالدفء. المطبخ ليس ما نضعه في الأطباق.. المطبخ هو ما تضعه الأطباق في أرواحنا.

للتوعاصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى