كتاب الرأي

الأم.. قلبٌ لا يعرف إلا الحب وعمرٌ لا يتوقف عن العطاء

      ✍️أ- محمدعلي كريري – كاتب رآي :

هناك أشياء في هذه الحياة لا يمكن أن تُقدَّر بثمن، ولا تستطيع الكلمات أن تمنحها حقها مهما بلغت من البلاغة والجمال، وفي مقدمتها الأم؛ تلك الإنسانة التي تختصر في قلبها حكاية الحب، وفي عينيها معنى الرحمة، وفي دعائها أبوابًا من الأمل لا تنغلق.

الأم ليست مجرد كلمة ننطق بها، ولا صلة قرابة تجمعنا بإنسانة أنجبتنا، بل هي حكاية عمر كاملة، تبدأ بنبضٍ في أحشائها، وتكبر مع أول صرخة لطفلها، ثم تمتد سنوات طويلة من السهر والتعب والخوف والاهتمام، دون أن تنتظر مقابلًا أو تسأل عن ثمن ما تقدمه.

الأم هي اليد التي تمسح دموعنا قبل أن نسأل، والقلب الذي يشعر بوجعنا حتى عندما نتظاهر بالقوة، والروح التي تفرح لفرحنا وكأن الحياة لم تمنحها سعادة أعظم من سعادتنا.

قلب الأم.. معجزة لا تشبهها القلوب

لقلب الأم لغة لا تحتاج إلى كلمات، فهي تعرف حزن ابنها من نبرة صوته، وتدرك تعبه من ملامح وجهه، وتشعر بقلقه حتى لو أخفى عن الجميع ما يعتمل في داخله. قد يبتسم الابن أمام الناس، بينما تقرأ أمه في عينيه ما لم يستطع البوح به، فتقترب منه بسؤال بسيط، أو لمسة حانية، أو دعوة صادقة، وكأنها تقول له: أنا هنا، ولن تواجه الحياة وحدك.

قلب الأم لا يتقن الحسابات، ولا يعرف كيف يمنح الحب بقدر ما يتلقى، فهي تعطي لأنها أم، وتسهر لأنها تخاف، وتسامح لأنها تحب، وتنتظر لأنها لا تعرف اليأس من عودة أبنائها إلى أحضانها.

وقد يكبر الابن، ويشتد عوده، ويصبح رجلًا يعتمد عليه الآخرون، لكن أمه تظل تراه ذلك الطفل الذي كانت تخشى عليه من حرارة الشمس، وتفرح لخطواته الأولى، وتحتضنه كلما تعثر في طريق الحياة.

فالأم لا تتوقف عن الأمومة عندما يكبر أبناؤها؛ بل يكبر خوفها عليهم، وتتسع دائرة دعائها لهم، وتظل قلوبهم حاضرة في تفاصيل يومها، مهما شغلتهم الحياة عنها.

تضحيات لا تُروى.. وعطاء لا ينتظر المقابل

كم من أم أخفت ألمها حتى لا تقلق على أبنائها؟ وكم من أم تنازلت عن راحتها لتوفر لهم الراحة، وعن رغباتها لتلبي احتياجاتهم، وعن أحلامها لتمنحهم فرصة تحقيق أحلامهم؟

كم من أم سهرت الليالي بجوار طفل مريض، تراقب أنفاسه وتدعو الله أن يمنحه العافية، وكم من أم تحملت مشقة الحياة بصمت، ثم استقبلت أبناءها بابتسامة تخفي وراءها تعبًا لا يعلمه إلا الله؟

إنها الأم التي قد تحرم نفسها من شيء تحبه، لتراه في يد ابنها، وقد تتظاهر بالشبع وهي تنتظر أن ينتهي أبناؤها من طعامهم، وقد تخفي دمعة الخوف خلف كلمات مطمئنة، حتى لا يشعروا بضعفها.

لا تفعل ذلك لأنها مجبرة على العطاء، بل لأن حبها يجعل سعادة أبنائها جزءًا من سعادتها، ونجاحهم امتدادًا لأملها، وأمانهم أعظم ما تطمئن إليه روحها.

ومع ذلك، فإن أعظم تضحيات الأمهات ليست دائمًا تلك التي يراها الناس؛ فهناك معارك تخوضها الأم في صمت، ومخاوف تحملها وحدها، وأوجاع تتجاوزها حتى لا تثقل على أبنائها. وهناك دعوات ترفعها في جوف الليل، لا يعلم بها أحد، لكنها تحمل أسماء أبنائها واحدًا تلو الآخر.

الأم تعطي من عمرها، ومن صحتها، ومن راحتها، ومن قلبها، ثم تكتفي بأن ترى أبناءها بخير؛ وكأن سلامتهم هي المكافأة الوحيدة التي تنتظرها من الحياة.

حين يكبر الأبناء.. تبقى الأم في الانتظار

تمضي السنوات سريعًا، ويكبر الأطفال، وتتغير ملامحهم، وتزدحم أيامهم بالعمل والمسؤوليات والأصدقاء، ويغادر بعضهم منزل الأسرة بحثًا عن مستقبله، بينما تبقى الأم تراقب الباب، وتنتظر اتصالًا يطمئنها، وزيارة تعيد إلى البيت دفء اللقاء.

قد لا تطلب الأم الكثير؛ ربما يكفيها صوت ابنها عبر الهاتف، أو رسالة قصيرة يسألها فيها عن صحتها، أو دقائق يجلس فيها بجوارها ويصغي إلى حديثها الذي سمعه مرات كثيرة.

لكن المؤلم أن بعض الأبناء لا يدركون قيمة هذه اللحظات إلا عندما تفرض عليهم الحياة مسافات طويلة، أو حين يكتشفون أن الزمن يمضي، وأن الأمهات اللواتي اعتدن منحهم الحب والرعاية يحتجن بدورهن إلى الاهتمام والاحتواء.

كم هو قاسٍ أن تنتظر أم زيارة ابنها، بينما ينتظر الابن وقتًا مناسبًا لا يأتي! وكم هو مؤلم أن تؤجل أم حاجتها إلى الحديث، خشية أن تشغل ابنها عن أعماله، أو أن تكون عبئًا على يومه المزدحم!

إن الأم لا تريد من أبنائها أن يتركوا حياتهم من أجلها، لكنها تريد أن تشعر بأنها ما زالت جزءًا من حياتهم؛ أن تجد مكانًا لها في جدول أيامهم، وفي أحاديثهم، وفي مناسباتهم، وفي تفاصيلهم الصغيرة.

فلا تجعلوا الانشغال بالحياة سببًا للابتعاد عمن كانت حياتكم كلها شغلها الشاغل.

بر الأم.. وفاء لا تؤجله الأيام

إن بر الأم ليس مناسبة عابرة، ولا هدية تقدم في يوم محدد، ولا كلمات جميلة نكتبها ثم نعود إلى إهمال من تستحق أعمارنا. البر سلوك يومي، واهتمام صادق، وصبر على حديثها، ورحمة بضعفها، وتقدير لتعبها، وإحساس باحتياجاتها قبل أن تضطر إلى طلبها.

بر الأم أن تسأل عنها دون مناسبة، وأن تزورها دون انتظار دعوة، وأن تمنحها من وقتك ما يشعرها بقيمتها، وأن تخاطبها بلطف، وأن تتذكر أن ما تراه اليوم من ضعف أو كبر في السن هو مرحلة من مراحل الحياة التي قضت سنواتها في رعايتك.

وإذا كانت الأم قد قضت عمرها تمنح أبناءها القوة، فإن من الوفاء أن يكونوا لها سندًا عندما تحتاج إلى من يقف بجوارها.

ولا ينبغي أن ننتظر المرض حتى نعرف قيمة صحتها، ولا الغياب حتى نستوعب معنى وجودها، ولا الفقد حتى نتمنى لو عدنا إلى يوم واحد نجلس فيه بجوارها، ونمسك يدها، ونخبرها كم نحبها.

فبعض الفرص إذا مضت لا تعود، وبعض الكلمات التي نؤجل قولها تصبح أمنيات مؤلمة بعد فوات الأوان.

الأم.. دعوة صادقة تفتح أبواب الأمل

من أعظم ما تمنحه الأم لأبنائها دعاؤها؛ ذلك الدعاء الذي يخرج من قلب صادق، لا يحمل إلا الخير لهم. تدعو لهم في صلواتها، وفي لحظات وحدتها، وفي ساعات قلقها، وتسأل الله أن يحفظهم من كل سوء، وأن يكتب لهم التوفيق والرزق والسعادة.

وقد لا يعلم الابن كم مرة ذكرت أمه اسمه في دعائها، وكم مرة رفعت يديها إلى السماء وهي تستودع الله قلبها وفلذة كبدها، وكم مرة ابتسمت بعد دعاء طويل، لأنها ألقت همومها بين يدي الله.

الأم نعمة عظيمة تستحق الشكر، ووجودها في حياة الإنسان مصدر أمان لا يعوضه شيء. وحتى عندما تختلف الآراء، أو تتباعد وجهات النظر، يبقى الاحترام والرحمة وحسن المعاملة أساسًا لا ينبغي أن يتغير.

وإذا كانت الأم قد قدمت الكثير، فإن أقل ما تستحقه هو أن تجد في أبنائها الوفاء، وفي بيوتهم مكانًا يليق بمقامها، وفي قلوبهم محبة لا تتراجع مع مرور السنوات.

رسالة إلى كل ابن وابنة

إلى كل ابن، وإلى كل ابنة، تذكروا أن خلف كثير من خطواتكم الناجحة أمًّا سهرت، وخلف كثير من ابتساماتكم قلبًا دعا لكم، وخلف ما وصلتم إليه يدًا امتدت إليكم حين تعثرتم، وروحًا آمنت بكم حين شككتم في قدراتكم.

اذهبوا إلى أمهاتكم، واجلسوا معهن، واستمعوا إلى أحاديثهن، وقبّلوا أيديهن، وعبّروا لهن عن محبتكم. لا تجعلوا مشاغل الدنيا تسرق منكم أجمل ما فيها، ولا تبخلوا عليهن بكلمة طيبة أو لحظة اهتمام.

وإن كانت أمك على قيد الحياة، فاجعل لها نصيبًا من وقتك وقلبك ودعائك، ولا تنتظر مناسبة لتقول لها: أحبك يا أمي.

وإن كانت قد رحلت عن الدنيا، فاجعل وفاءك لها حاضرًا بالدعاء والصدقة وأعمال الخير، واستحضر جميلها في قلبك، وكن امتدادًا للقيم الطيبة التي غرستها فيك.

خاتمة: الأم لا يعوضها أحد

في نهاية المطاف، قد تتغير الوجوه، وتتبدل الظروف، وتتسع دائرة العلاقات، لكن الأم تبقى صاحبة المكانة التي لا ينافسها فيها أحد. إنها الإنسانة التي منحت أبناءها الحب قبل أن يعرفوا معنى الحب، والأمان قبل أن يدركوا معنى الخوف، والعطاء قبل أن يتعلموا معنى التضحية.

الأم ليست مجرد فصل جميل في كتاب الحياة، بل هي الكتاب الذي تعلمنا منه كيف نحب، وكيف نصبر، وكيف نعطي دون انتظار المقابل.

فيا أمهات العالم، شكرًا لقلوبكن التي لم تتعب من الحب، ولأيديكن التي لم تملّ العطاء، ولأرواحكن التي جعلت من التضحية طريقًا لسعادة الأبناء.

ويا كل ابن وابنة، لا تنسوا أن الأم التي احتضنت ضعفكم يومًا، تستحق أن تحتضنوا ضعفها حين تكبر، وأن التي منحتكم عمرها لا تستحق أن تقضّي ما تبقى من عمرها في انتظاركم.

الأم وطنٌ لا تضيق أرضه بأبنائه، وقلبٌ لا يغلق أبوابه في وجوههم، وحبٌ لا تنهيه المسافات، ولا تطفئه السنوات.

حفظ الله الأمهات، وأطال أعمارهن على الطاعة والصحة والعافية، ورحم من رحلن منهن، وجعل ذكراهن نورًا في قلوب أبنائهن، وألهم الجميع برّ أمهاتهم والإحسان إليهن ما دامت الحياة.

للتواصل : [email protected]

محمد كريري

مدير عام صحيفة عنوان الإخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى