كتاب الرأي

آل سعود.. قرابة ستة قرون من الصمود

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :

نحو عامين هجريين يفصلاننا عن اكتمال ستة قرون على تأسيس الدرعية عام ٨٥٠هـ/١٤٤٦م، على يد الأمير مانع المريدي، الجد الأعلى لأسرة آل سعود؛ وهو إرث سياسي عريق تسنده جذور اجتماعية تعود إلى بني حنيفة، الذين استوطنوا اليمامة منذ ما قبل الإسلام. فمن الدرعية، التي أسسها بعد قدومه من شرقي الجزيرة العربية إلى وادي حنيفة واستقراره في المليبيد وغصيبة، توارث أبناؤه وأحفاده تجربة الحكم، حتى أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى عام ١١٣٩هـ/١٧٢٧م، منتقلًا بهذا الإرث إلى مشروع لتوحيد البلاد وإرساء الأمن والاستقرار.

وتجاوز حضور الدولة حدود نجد؛ فقد وصف العالم اليمني محمد بن علي الشوكاني الإمام سعود بن عبدالعزيز في كتابه «البدر الطالع»، عند حديثه عن أحداث ١٢٢٩هـ/١٨١٤م، بقوله: «أمير العرب صاحب نجد»، وذكر انتقال الحكم إلى ابنه الإمام عبدالله واستمرار الحرب مع قوات محمد علي. كما جاء في الأبيات المنقولة عنه في تعزيته بوفاة الشيخ محمد بن عبدالوهاب:

«هم الناس أهل البأس يعرف فضلهم
جميع بني الدنيا فما للمجادل»

«فناديهم في كل نادٍ مبجّل
فحقهم التبجيل بين القبائل»

وتكشف هذه الشهادة عن مكانة الدولة وأئمتها، وامتداد صداها السياسي والعلمي خارج وسط الجزيرة العربية.

وقد واجهت الدولة حملات عثمانية متتابعة، انتهت بحصار الدرعية وتدميرها على يد قوات إبراهيم باشا عام ١٢٣٣هـ/١٨١٨م؛ لكن سقوط العاصمة لم يقتلع مقومات الدولة وارتباط المجتمع بها. فاستعاد الإمام تركي بن عبدالله الرياض، وأسس الدولة السعودية الثانية عام ١٢٤٠هـ/١٨٢٤م، مؤكدًا قدرة المشروع السعودي على النهوض بعد المحن.

ومن الشواهد على رسوخ مكانة الأسرة الوثيقة المؤرخة بسنة ١٣٠١هـ/١٨٨٣–١٨٨٤م؛ إذ ورد في الوثيقة ما نصه: (فلا يخفى أنه لم تستقم نجد إلا بواحد من بيت آل سعود يرجع إليه أمراء وعموم أهل قطر نجد في الأمور المهمة كما هي عادتهم من قديم الأزمان)، مع ذكر تأييد ابن رشيد وابن مهنا وابن سليم. وهي شهادة تعكس إدراك مكانة آل سعود مرجعيةً جامعةً لاستقرار البلاد ووحدة كلمتها.

ومع انتهاء الدولة الثانية عام ١٣٠٩هـ/١٨٩١م، ظل طريق العودة مفتوحًا؛ فاستعاد الملك عبدالعزيز الرياض في ٥ شوال ١٣١٩هـ/١٥ يناير ١٩٠٢م، وبدأ مسيرة توحيد امتزجت فيها المعارك بالمفاوضات والمبايعات، والحزم بالعفو واستيعاب الخصوم. وشملت محطاتها نجد والأحساء وعسير والباحة وحائل والحجاز ونجران وجازان، حتى إعلان توحيد المملكة في ٢١ جمادى الأولى ١٣٥١هـ/٢٣ سبتمبر ١٩٣٢م.

وقد شارك أبناء البلاد، بمختلف مناطقهم وقبائلهم وحواضرهم وبواديهم، في صناعة هذه الوحدة؛ فوحّد الملك عبدالعزيز القلوب مع الأرض، وحوّل الانتصارات والاتفاقات إلى دولة تحتكم إلى الشريعة، وتحمي الحقوق والطرق، ويجمع أبناءها انتماء وطني راسخ.

وبعد التوحيد، دافعت المملكة عن أراضيها في الحرب السعودية اليمنية عام ١٣٥٣هـ/١٩٣٤م، ثم أبرمت اتفاقية الطائف في ٦ صفر ١٣٥٣هـ/مايو ١٩٣٤م، لإنهاء الحرب وتنظيم العلاقات والحدود، جامعةً بين حماية السيادة وإرادة السلام.

ومع الصراع اليمني عام ١٣٨٢هـ/١٩٦٢م، ساندت الإمام محمد البدر والقوى الملكية في مواجهة التدخل العسكري المصري، وواجهت الغارات على نجران وجازان وجنوب المملكة في عهد نظام عبدالناصر البائد، مع مواصلة المساعي السياسية لاحتواء الأزمة. ثم استعادت قواتها، في عهد الملك فيصل، مركز الوديعة بعد اعتداء قوات اليمن الجنوبي عليه عام ١٣٨٩هـ/١٩٦٩م.

وفي عهد الملك خالد، أنهت المملكة جريمة اقتحام المسجد الحرام، التي بدأت في غرة محرم ١٤٠٠هـ/٢٠ نوفمبر ١٩٧٩م، وأعادت الأمن إلى رحابه. وواجهت لاحقًا تداعيات الحرب العراقية الإيرانية، المعروفة بحرب الخليج الأولى، خلال ١٤٠٠–١٤٠٨هـ/١٩٨٠–١٩٨٨م، ثم الغزو العراقي للكويت عام ١٤١١هـ/١٩٩٠م؛ فجمعت بقيادة الملك فهد بين التحرك السياسي والدفاع العسكري، وشاركت في تحرير الكويت عام ١٤١١هـ/١٩٩١م.

وتصدت لموجة الإرهاب المتصاعدة عام ١٤٢٤هـ/٢٠٠٣م، بمواجهة أمنية واستخبارية وفكرية، وتجفيف للتمويل وتعاون دولي؛ تسندها تضحيات رجال الأمن ووعي المجتمع وتلاحمه مع قيادته.

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، انطلقت عاصفة الحزم في ٦ جمادى الآخرة ١٤٣٦هـ/٢٦ مارس ٢٠١٥م، استجابةً لطلب الحكومة اليمنية الشرعية ومواجهةً للانقلاب الحوثي، بالتوازي مع الجهود السياسية والإنسانية. وامتد هذا المسار إلى دعم «فجر اليمن» في ربيع الآخر ١٤٤٨هـ/أكتوبر ٢٠٢٦م، لاستعادة مؤسسات الدولة، وحماية أمن اليمن والمملكة والخليج من التدخل الإيراني ومشروع الهيمنة الفارسي عبر الجماعات المسلحة.

وأمام الاعتداءات الحوثية الإجرامية، تستمد المملكة من تاريخها وقوة قواتها وتماسك شعبها الثقة بأن العدوان سيُهزم كما هُزم غيره؛ فقد تعاقب المعتدون، وبقي الوطن شامخًا يمضي في البناء.

وهكذا تتجدد معاني الصمود في عهد الملك سلمان وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، بتكامل حماية السيادة مع بناء الإنسان وتنويع الاقتصاد ضمن رؤية السعودية ٢٠٣٠. فمن الدرعية إلى المملكة العربية السعودية، بقيت الحكمة والحزم والتلاحم ركائز مسيرة تستمد من التاريخ ثقتها، ومن وحدة الوطن قوتها، ومن البناء طريقها إلى المستقبل.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى