كتاب الرأي

سياج الكذب

      ✍️ نعيمة السّعديّة – كاتبة عمانية :

أين الأمان في زمنٍ تاهت فيه بوصلة القيم؟!

ضاع بريق النّفس وأمانها قبل أن يضيع بريق المجتمع وأمانه؛ فلم تعد قيمة الإنسان كما كانت، ولا القيم الإنسانيّة كما شرّعتها الشّريعة الإسلاميّة.
فقد صار الجبان هو الذي يمتطي صهوة الحصان، وغدا الكذب عنوانًا لمواقف كثيرة، وإن كان حبله قصيرًا؛ إذ يتخفّى وراء قناع الفضيلة، متظاهرًا بالالتزام بالقيم الإنسانيّة.

وحين ننظر إلى أسباب انتشار الكذب نجد أسبابًا كثيرة، منها: السّعي وراء المصالح الشّخصيّة؛ فحين تصبح المصلحة الشّخصيّة معيارًا للحكم على الأفعال، قد يتحوّل الكذب من وسيلة عابرة إلى حيلة دفاعيّة يبرّر بها الإنسان سلوكه.
ويُعَدّ ضعف الوازع الدّينيّ والأخلاقيّ من أبرز أسباب تراجع القيم الإنسانيّة، ومن ذلك أيضًا جعل النّجاح مرتبطًا بالمظاهر لا بالجوهر؛ فهنا نجد الشّخص يركض وراء المظهر دون المخبر، حتّى وإن كان على حساب نفسه أو مبادئه.
ولا ننسى كذلك تأثير وسائل التّواصل الاجتماعيّ في تزييف الحقائق، فضلًا عن غيرها من الدّوافع الّتي تسوّلها النّفس البشريّة لنفسها.

كنّا نظنّ أنّنا تجاوزنا مدن الوهم، لكنّنا ما زلنا نحاول عبور سياجها، دون حزنٍ يباغتنا أو كمدٍ يغلبنا.
لقد صار الإنسان في هذه المدن مجرّد دمية تحرّكها أيدي الخداع، بينما تظلّ القلوب الصّادقة أسيرة الثّقة بمَن لا يستحقّها؛ حتّى غدت طيبتها عرضةً للاستغلال في زمنٍ تتساقط فيه القيم الإنسانيّة قيمةً تلو الأخرى.
فقد يعيش ضحيّة الكذب حالةً من الاضطراب النّفسيّ، وتتزعزع ثقته بالآخرين، ولا سيّما إذا كان من المقرّبين إليه، بينما يعتاد الكاذب تبرير سلوكه فينسج شبكةً من الأكاذيب؛ ليُخرج نفسه من دائرة الشّكّ الّتي رسمها حوله.

وقد يفقد الكاذب شيئًا من ثقته بنفسه ويستبدّ به القلق، ويظلّ أسير الخوف من انكشاف الحقيقة، مهما بدت المواقف مطمئنة أمامه؛ إذ قد تجرّه عواقب كذبه إلى ويلاتٍ كثيرة حاول طويلًا إخفاء آثارها، غير أنّ تكرار الكذب قد يُضعف استنكاره الأخلاقيّ له، حتّى يغدو في نظره سلوكًا مألوفًا لا يستدعي تأنيب الضّمير؛ فيصير الكذب كاللّعبة الّتي يتسلّى بها من حينٍ إلى آخر.

أصبحت جسور الودّ تُبنى على أرضٍ رخوة لا صلابة فيها، ومع ذلك فهي تبدو في أبهى صورها أمام الآخرين؛ لأنّها تجذب الأنظار، وتستميل العقول، وتغري النّاس ببريقها الخادع القائم على النّفاق والمصالح الشّخصيّة.

لم نكن نتصوّر أن يرتفع البناء المتهشّم، فإذا به يعلو فوق الأبنية الرّاسخة في تربة المجتمع.
ومع أنّه لا يعدو أن يكون هيكلًا يعلوه الغبار، فإنّ بريقه الظّاهريّ يستقطب الأنظار، على الرّغم مما يشيع من انهيار الثّقة بين النّاس، وانتشار الشّكّ وسوء الظّنّ، وتعطّل التّعاون والإخلاص في العمل، وتفكّك العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة.

اختلطت المفاهيم ببعضها في هذا العالم الذي تحكمه العلاقات المبنيّة على المصالح الذّاتيّة البعيدة عن الصّلات الإنسانيّة الوطيدة.
وكما يقول المثل: “اختلط الحابل بالنّابل”.
فقد تداخلت الأمور، وغدا التّمييز بين الصّواب والخطأ، والصّالح والطّالح، والصّادق والكاذب أكثر صعوبةً في ظلّ الفوضى العارمة؛ فأين الأمان أيّها الإنسان؟!

ومع أنّ الصّدق أساس الإيمان والأمان، فإنّ الكذب قد استشرى بين النّاس، حتّى غفل بعضهم عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
الآية (١١٩) من سورة التوبة.

لكنّنا، رغم كلّ التّحديات الّتي تواجهنا، نستطيع استعادة الأمان في تفاصيل حياتنا حين نُحيي الصّدق في أقوالنا وأفعالنا، ونربّي أبناءنا عليه، وننشئ أجيالًا تدرك قيمته وتمارسه في حياتها، ونوعّي أبناءنا بالآثار السّلبيّة لوسائل التّواصل الاجتماعيّ، ونرشدهم إلى كيفيّة مواجهة تزييف الحقائق الرّقميّة، كما ينبغي لنا أن نكون قدوةً حسنةً لأبنائنا، وأن نرسّخ القيم في الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام المختلفة، وقبل كلّ هذا، علينا أن نحاسب النّفس قبل محاسبة الآخرين؛ كي نعيش صدق الشّعور قبل القول، وصدق الفعل قبل رفع شعارات المبادئ.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى