التوفيق مفتاح كل سهل

✍️ ع.م. ندى الخمعلي – كاتب سعودي :
قال الأديب مصطفى صادق الرافعي: «كل سهل لم يوفق له الله صعب»، وهي عبارة قصيرة في كلماتها، عميقة في معناها، تختصر جانباً كبيراً من فلسفة الحياة؛ فالإنسان قد يرى الطريق أمامه ممهداً، والأسباب متاحة، والفرصة قريبة، ثم لا يستطيع الوصول إليها، بينما قد يجد آخر الطريق شاقاً مليئاً بالعقبات، ومع ذلك يفتح الله له الأبواب من حيث لا يحتسب.
فليس كل ما نريده يكون خيراً لنا، وليس كل ما نراه سهلاً يكون مقدراً لنا. وقد يسعى الإنسان إلى أمر بكل ما يملك من جهد، ثم تتعطل خطواته، وتتغير الظروف، وتغلق الأبواب، فيظن أن الحياة تعانده، بينما قد يكون في ذلك الصرف رحمة لا يدركها إلا بعد وقت.
والتوفيق نعمة عظيمة؛ لأنه لا يعني أن الطريق سيكون خالياً من المشقة، وإنما يعني أن الله يهيئ للإنسان من الأسباب والظروف والأشخاص ما يعينه على الوصول إلى الخير. وقد يعمل الإنسان عملاً يسيراً فتكون نتائجه عظيمة، وقد يبذل جهداً مضاعفاً في أمر لا يكتب له النجاح، والفرق في كثير من الأحيان ليس في الجهد وحده، وإنما في التوفيق.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، فالتوفيق من الله، والتوكل عليه لا يعني ترك السعي، بل يعني أن يسعى الإنسان ويأخذ بالأسباب، ثم يرضى بما يقدره الله له.
كم من أمر ظنناه مستحيلاً ثم جاء تيسيره في لحظة، وكم من باب طرقناه طويلاً ولم يفتح، ثم اكتشفنا أن وراءه باباً آخر كان ينتظرنا. وكم من تأخير ظنناه خسارة، فإذا به حماية، وكم من منع حسبناه حرماناً، فإذا به بداية لخير أكبر.
ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يقيس نجاحه بسرعة الوصول فقط، ولا أن ييأس إذا تعثرت خطواته. فربما كان التعثر دعوة إلى مراجعة الطريق، وربما كان التأخير إعداداً لمرحلة أفضل، وربما كان صرف القلب عن أمر معين هو عين العناية الإلهية.
إن الحياة ليست دائماً للأقوى ولا للأكثر سعياً فحسب، وإنما لمن جمع بين السعي الصحيح، وحسن الظن بالله، والصبر، والاستعانة به. وعندما يأتي التوفيق، يصبح الصعب ممكناً، والمغلق مفتوحاً، والبعيد قريباً، وما كان يحتاج إلى سنوات قد ينجز في لحظة.
لذلك، إذا استعصى عليك أمر، فلا تجعل الصعوبة سبباً لليأس، بل اسأل الله التوفيق، وأعد النظر في الطريق، وخذ بالأسباب، ثم اترك النتائج لمن بيده مقاليد الأمور.
فقد تكون المسألة ليست أن الطريق صعب، وإنما أن التوفيق لم يأتِ بعد.
وما أجمل أن يعيش الإنسان وهو يدرك أن عليه أن يسعى، وأن عليه أن يطرق الأبواب، لكن عليه أيضاً أن يوقن بأن ما كتبه الله له سيأتيه، وأن ما لم يوفَّق إليه فليس له، وأن وراء كل قدر حكمة قد لا تظهر إلا بعد حين.
للتواصل : [email protected]



