كتاب الرأي

الجهل على الهواء

     ✍️ريم منصور سلطان – كاتبة رأي :

لم يعد الميكروفون في عصرنا مجرد أداةٍ لنقل الصوت ، لكنها الأن أصبحت تُبنى من خلاله القناعات، وتُعاد به هندسة وعي الجماهير، ولم يعد الوصول إلى آذان الناس إمتيازًا يحتاج إلى علمٍ راسخ، أو تجربةٍ ناضجة، لكنه أصبح يكفي أن تمتلك صوتًا واضحًا، وحضورًا لافتًا، وقدرةً على صناعة الجدل، حتى تتحول من إنسانٍ عادي إلى مرجعٍ يُستفتى في شؤون الحياة، ويُؤخذ قوله مأخذ الحقيقة.
وهنا تبدأ الحكاية، لا بوصفها حكاية تقنية إسمها البودكاست، ولكنها أصبحت أكثر من ذلك بوصفها حكاية عصرٍ إختلطت فيه حرية الكلام بأهلية المتكلم، والشهرة بقيمة المعرفة.
ليس العيب في البودكاست ذاته، فهذه الوسيلة فتحت أبوابًا واسعة أمام المعرفة، وأتاحت لأصحاب التجارب والأفكار أن يصلوا إلى جمهورٍ لم تكن المنابر التقليدية تسمح لهم بالوصول إليه، وكم من صوتٍ مجهول أعاد إلى الناس الشغف، وكم من حوارٍ صادق أضاء زاويةً معتمة في العقل.
لكن المأساة تبدأ حين تتحول إتاحة المنبر إلى حد المساواه بين العارف والجاهل، وحين يُمنح الرأي وزنًا لا يستحقه لمجرد أن صاحبه يعرف كيف يقدّمه، لا لأنه يعرف كيف يبرهن عليه، فالمشكلة ليست أن يتحدث الإنسان فيما يجهل، فكلنا نجهل، والجهل في ذاته ليس عارًا، لكن العار الحقيقي أن يتخذ المرء من جهله يقينًا، ومن محدودية معرفته سلطةً على عقول الآخرين.
والأشد إيلامًا أن بعض الجماهير لم تعد تبحث عمّن يوقظ أسئلتها، ولكنهم يبحثون عمّن يمنحها إجاباتٍ مريحة، لا تريد دائمًا من يناقشها، إنما يبحثون عن من يؤكد لها أنها على صواب.
إنها تجارة اليقين السريع في زمن القلق، حيث تصبح الفكرة الأكثر تداولًا أسبق إلى الأذهان من الفكرة الأكثر صحة، ويغدو عدد المستمعين معيارًا للشهرة، ثم يُساء إستخدامه ليصبح معيارًا للحقيقة.
إن المعرفة الحقيقية تُعلّم صاحبها التواضع، وتجعله أكثر إدراكًا لإتساع ما لا يعرف، أما الجهل حين يقترن بالغرور، فإنه ينتج أخطر أنواع الخطاب: خطابًا لا يتردد، ولا يشك، ولا يراجع نفسه، ويقدّم الإجابات النهائية عن أسئلةٍ لم يفهم أبعادها أصلًا، وهكذا تصبح الثقة المفرطة بديلًا عن الدليل، والعبارة الرنانة بديلًا عن الفكرة العميقة.
ولعل أخطر ما في بعض برامج البودكاست ليس ما تقوله فحسب، بل الطريقة التي تُقال بها الأشياء، إذ تُقدَّم الآراء الشخصية أحيانًا في هيئة قوانين كونية، وتُختزل القضايا المعقدة في أحكامٍ قاطعة ، وكأن ما صلح لشخصٍ واحد يصلح بالضرورة لكل البشر، يتحدث أحدهم عن النفس البشرية وكأنه قرأ أعماقها جميعًا، وعن النجاح وكأنه إكتشف قانونًا سريًا لا يعرفه سواه.
ثم يأتي الإخراج المتقن، والإضاءة المدروسة، ونبرة الصوت الواثقة، والموسيقى التي تسبق الكلام أو تتخلله، لتمنح الفكرة الهشة ثوبًا من الهيبة، وفي هذه اللحظة، لا يعود المستمع أمام سؤال: (هل هذا الكلام صحيح؟) ولكنه أمام إنطباعٍ أكثر خطورة: ( كم يبدو صاحبه واثقًا مما يقول!.)
وهنا تكمن إحدى مفارقات عصر الصورة والصوت: قد يبدو الباطل أكثر إقناعًا من الحقيقة، لا لأنه أقوى منها، على العكس قد يكون لأنه أكثر قدرةً على إستعراض نفسه.
لقد إعتدنا أن نطلب من الطبيب علمًا قبل أن نسلّمه أجسادنا، فلماذا نتخلى عن هذا المعيار حين يتعلق الأمر بالعقل والوعي؟ ولماذا نسمح لكل عابرٍ أن يعيد تشكيل مفاهيمنا ، دون أن نسأله عن مصادره، أو حدود إختصاصه .
أليس العقل أولى بالحماية من أن يُترك لكل متحدثٍ بارع؟
إن الميكروفون، في جوهره، لا يمنح صاحبه علمًا، كما أن الصمت لا يسلب الإنسان حكمة، وبين الصوت والمعرفة مسافةٌ لا يقطعها ارتفاع النبرة، ولكن يقطعها البحث والقراءة والتجربة والقدرة على الإعتراف بالخطأ، غير أن ثقافة الشهرة جعلت هذه المسافة تبدو أقصر مما هي عليه، فصار الوصول إلى الجمهور إنجازًا يُغني، في نظر البعض، عن إستحقاقه.
لكن هل يعني ذلك أن نغلق الميكروفونات، أو أن نحتكر الكلام لأصحاب الشهادات والألقاب؟ بالطبع لا، فالعلم لا يُقاس بالشهادات وحدها، والحكمة لا تسكن الجامعات حصرًا، والتجربة الإنسانية مصدرٌ مهم للفهم، بشرط ألا تتنكر في هيئة حقيقةٍ مطلقة، وليس من العدل أن نمنع الإنسان من رواية تجربته لأنه ليس متخصصًا، لكن من الضروري أن نفرّق بين من يقول: (هذه تجربتي)، ومن يقول: (هذه هي الحقيقة التي ينبغي للجميع أن يؤمنوا بها).
فالحرية لا تعني أن جميع الآراء متساوية في القيمة، كما أن المساواة بين البشر لا تعني المساواة بين الحجج، لكل إنسان حق الكلام، لكن ليس لكل كلام الحق في أن يُصدَّق دون تمحيص، وحق التعبير لا يُسقط مسؤولية المتحدث عن أثر ما يقول، ولا يعفي المستمع من مسؤولية التفكير فيما يسمع.
ولعل السؤال الأهم ليس: من يستحق الميكروفون؟ ولكن: ماذا نفعل نحن حين يصل الصوت إلينا؟
فالجمهور ليس كتلةً سلبيةً تُقاد إلى حيث يشاء المتحدث، إنه شريكٌ في صناعة المشهد، يرفع أصواتًا بالتفاعل، ويمنحها شرعيةً بالمتابعة، ويضاعف تأثيرها بإعادة النشر، وكلما كافأ الإثارة أكثر من المعرفة، والتهويل أكثر من الدقة، والخصومة أكثر من الحوار، ساهم في بناء سوقٍ لا يزدهر فيها إلا من يجيد جذب الإنتباه، ولو كان الثمن إقتطاع الحقيقة من سياقها.
إن مقاومة التفاهة لا تكون بإحتقار الناس، ولا بالسخرية من المتحدثين، ولا بادعاء إمتلاك الحقيقة المطلقة، إنما بإحياء فضيلة السؤال، وتعليم الناس أن يتوقفوا قليلًا قبل التصديق، وأن يطلبوا الدليل دون عداء، وأن يميزوا بين الرأي والمعلومة، وبين التجربة والتعميم، وبين المتخصص الذي يعرف حدود علمه والمتحدث الذي يتجاوز حدود معرفته بثقةٍ لا تعرف الحدود.
فليس كل من تحدّث فهم، وليس كل من أقنع أقام حجة، وليس كل من جمع الآلاف حوله أضاف شيئًا إلى عقولهم، قد يكون الإنسان مشهورًا لأنه يعرف كيف يثير الانتباه، لا لأنه يعرف كيف يضيء العقول، وقد يكون صوته حاضرًا في كل بيت، بينما فكرته لا تصمد أمام أول سؤال.
ولعل الخطر الأكبر ليس أن يتحدث الجاهل، ولكن أن يفقد العارف مكانته، وأن يخجل المتعلم من قوله: (لا أعلم)، بينما يتباهى الجاهل بأنه يعرف كل شيء.
وفي نهاية المطاف ما أحوجنا اليوم إلى ثقافةٍ لا تسأل فقط: كم شاهدًا حقق هذا المقطع؟ على العكس يجب أن تسأل: كم فكرةً صحيحة حملها؟ وما مقدار الوعي الذي أضافه؟ وهل خرج المستمع منه أكثر فهمًا للعالم، أم أكثر ثقةً في أوهامه؟
فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الأصوات التي تتحدث بإسمها،ولكن بقدرتها على التمييز بين من يملأ الفراغ بالكلام، ومن يملؤه بالمعنى.
وهنا فقط ندرك أن المأساة لم تكن يومًا في الميكروفون، إنما في العقل الذي منحه القداسة، والأذن التي منحته الثقة، والمجتمع الذي خلط بين من يملك حق الكلام ومن يملك أسباب المعرفة.
فالميكروفون يضخّم الصوت، لكنه لا يصنع العقل، والشهرة تفتح الأبواب، لكنها لا تفتح أبواب الحقيقة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى