كتاب الرأي

ليلة الفقد والدموع

      ✍️حمدان الريسي ـ سلطنة عمان :

اعتدنا أن نستقبل يوم الخميس وليلة الجمعة بلهفةٍ كبيرة، شوقًا إلى الإجازة الأسبوعية التي تجمع العائلات وتمنح الناس فرصة للقاءات والزيارات والطلعات، ومنذ بداية الأسبوع يبدأ كثيرون في ترتيب برامجهم والاستعداد لقضاء أوقات جميلة مع الأهل والأحبة، فتغدو ليلة الخميس موعدًا للفرح والتواصل وصلة الأرحام، ولكن هذه الليلة جاءت مختلفة عن كل الليالي التي سبقتها، وكأن شيئًا ما كان ينذر بأن أحداثها لن تمر كالمعتاد، بدأت الحكاية منذ قيلولة الظهر فحين استيقظت فزعًا من حلم لم أستطع تفسيره، نفثت عن يساري ثلاثًا واستعذت بالله من شر ما رأيت، ثم سرعان ما تجاوزت الأمر ومضى النهار بسلام، وانقضى جزء كبير من الليل دون ما يعكّر صفوه.

وقبيل منتصف الليل جاء الخبر الذي بدّد هدوء الليلة وألقى الرعب في النفوس؛ حادث سير مؤلم، سيارة تقودها معلمة، وبرفقتها عدد من أفراد أسرتها، اصطدمت بشاحنة، فخبر الحوادث مفزع في حد ذاته فكيف إذا كانت الشاحنة طرفًا فيها؟ عندها تتزاحم الأفكار، وتتوالد الأسئلة، ويبدأ الخيال في رسم احتمالات مؤلمة، حتى إن المرء يخشى أن يسترسل في التفكير فيما قد تكون عليه العواقب.

لم تمضِ سوى دقائق حتى انتشر خبر وفاة ثلاثة أشخاص، وخيّم الحزن على المنطقة، ثم ورد نفيٌ أعاد شيئًا من الطمأنينة إلى النفوس، وإن بقيت الأسئلة معلّقة والقلوب تترقب معرفة الحقيقة، وبعد ذلك توالت الأنباء تباعًا؛ خبر وفاة، ثم خبر آخر، ثم ثالث، إلى أن تأكدت الفاجعة برحيل المعلمة وأختها، فيما كان طفل يرقد في حالة حرجة، وكانت ولاية لوى على موعد مع ليلة ثقيلة بالحزن، وامتد الأسى إلى أرجاء المنطقة، فيما كان للحجر نصيب أكبر من الوجع؛ فهذه الأسرة تنتمي إلى الرسة، ولها أقارب وأهل في المنطقتين، والقبيلة في حقيقتها أسرة واحدة، يجمع أفرادها رابط القرابة والمودة والمصير المشترك، وحين تنزل الفاجعة بأحد أبنائها، يشعر الجميع وكأن المصاب قد أصابهم في أهلهم وبيوتهم.

وهكذا انقلبت ليلة الجمعة، التي اعتدنا أن نستقبلها بالفرح انتظارًا للإجازة الأسبوعية، إلى ليلة يخيّم عليها الحزن، وتثقلها الدعوات والدموع، ويغيب عنها كل ما ألفناه من مظاهر البهجة، ومع إشراقة الصباح وبعد دفن الأختين، جاء الخبر الذي زاد المشهد ألمًا؛ وفاة الطفل ابن المعلمة، لتكتمل الفاجعة برحيل ثلاثة من أفراد الأسرة كما ورد في الأنباء الأولى.

رحم الله المتوفين رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته، وجعل مأواهم الفردوس الأعلى، وعوّضهم عن شبابهم وأعمارهم حياةً أبديةً في نعيم الجنة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يربط على قلوب ذويهم ومحبيهم، وأن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يمنحهم القوة على تجاوز هذا المصاب الأليم، وأن يشفي كل مصاب، ويحفظ الجميع من كل سوء، وما أقسى أن تتحول ليلة اعتدنا أن تكون موعدًا للفرح إلى ذكرى موجعة، وأن تنقلب خطط اللقاءات والزيارات إلى مجالس عزاء ودعوات بالرحمة والمغفرة، إنها لحظات تذكّرنا بأن الحياة تمضي بما لا نتوقع، وأن الإنسان مهما خطط لأيامه، تبقى الأقدار بيد الله سبحانه وتعالى، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، «إنا لله وإنا إليه راجعون».

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى