بيتٌ بلا طمأنينة

✍️سلطان الفارسي ـ سلطنة عمان:
ليس كلُّ بيتٍ مأوى، ولا كلُّ بابٍ يُغلق على أهله يمنحهم الأمان. فبعض البيوت تبدو هادئةً من الخارج، مضاءة النوافذ، مرتّبة الأبواب، لكن خلف جدرانها قلوبًا ترتجف، وأرواحًا تحاول أن تمرّ من يومٍ إلى آخر بأقلّ قدرٍ من الألم.
في البيت الذي تغيب عنه الطمأنينة، لا يعرف المرء متى يتبدّل الهدوء إلى صراخ، ولا أيّ كلمةٍ عادية قد تُشعل غضبًا جديدًا. يتعلّم أن يراقب الوجوه قبل أن يتكلم، وأن يزن عباراته كأنها قد تكون سببًا في عاصفة. ومع الوقت، لا يعود الصمت راحةً، بل يصبح وسيلةً للنجاة.
وقد لا يكون الأذى دائمًا ضربةً تُرى آثارها؛ فهناك كلماتٌ تترك في النفس ندوبًا لا يعرفها أحد. إهانةٌ تتكرر حتى تُقنع الإنسان بأنه قليل الشأن، وتهديدٌ يسلبه إحساسه بالأمان، وسيطرةٌ تجعله يتراجع عن أبسط حقوقه. يعتذر عمّا لم يفعله، ويخفي حزنه كي لا يزيد غضب من حوله، ثم يبتسم أمام الناس حتى لا يسأله أحد عمّا يجري.
وأصعب ما في الحكاية أن الذين يعيشون هذا الخوف قد لا يستطيعون المغادرة بسهولة. قد يخافون من كلام الناس، أو على أبنائهم، أو من مستقبلٍ لا يعرفون كيف يواجهونه وحدهم. وربما ينتظرون أن تتغير الأمور، ويتمسكون بلحظاتٍ هادئة تأتي بين موجات الألم، ويقولون لأنفسهم: لعلّ الغد يكون أفضل. لكن الأيام قد تمضي، ويبقى الخوف في مكانه، ويكبر الصمت حتى يصير جدارًا آخر داخل البيت.
أما الأطفال، فهم يسمعون ما يظن الكبار أنهم لم يسمعوه، ويشعرون بما يعجزون عن وصفه. يراقبون عيون والديهم، ويفهمون من الصمت أن شيئًا ليس على ما يرام. قد يظنون أن عليهم إصلاح ما عجز عنه الكبار، أو يعتقدون أن الخلاف بينهم هو السبب. وهكذا يحمل الطفل همًّا لا يناسب عمره، ويكبر وهو يبحث عن طمأنينةٍ افتقدها في المكان الذي كان يفترض أن يجدها فيه.
ولا تعني حماية الأسرة أن نُخفي الأذى كي تبدو حياتها مستقرة أمام الآخرين. فالاستقرار الذي يُبنى على الخوف ليس طمأنينة، والصمت الذي يُفرض على المظلوم لا ينهي الألم. كما أن الاعتراف بالمشكلة لا يعني التشهير بأحد؛ بل يعني الإصغاء، وحفظ الكرامة، وطلب المساندة من أهل الثقة والجهات المختصة.
ما يحتاجه الإنسان في بيتٍ كهذا ليس حكمًا سريعًا ولا سؤالًا يلومه: «لماذا لم تخرج؟» بل يحتاج إلى من يسمعه بهدوء، ويصدّقه، ويساعده على الوصول إلى طريقٍ آمن. فكلمةٌ رحيمة قد تكون أول بابٍ يُفتح بعد طول اختناق.
فالبيت الحقيقي ليس جدرانًا وسقفًا، بل مكانٌ يستطيع فيه المرء أن يتنفس دون خوف، وأن يتكلم دون أن يرتجف، وأن ينام مطمئنًا. وحين يغيب الأمان عن البيت، لا يعود السؤال: كم شخصًا يعيش فيه؟ بل: كم قلبًا منهم يشعر أنه في مأمن.
للتواصل : [email protected]



