أبو نيّة يقلب أبو نيتين

✍️ هناء الهجاري – كاتبة سعودية :
في مشاوير الحياة التي لا تنتهي، وبين ميادين العلم والفن والمواهب والمهارات والعلاقات العامة والاجتماعية والثقافية، نصادف أنواعًا شتى من البشر، تختلف مستوياتهم وتتباين أفكارهم وتتعدد طرقهم في فهم الحياة والتعامل مع الآخرين. هناك من تتحاور معه بعقلك وفكرك وثقافتك، فتجد بينكما مساحة مشتركة من الفهم والاحترام، وهناك من يخاطبك بمنطق مختلف لا يشبهك، ويفسر كلماتك ومواقفك من زاوية أخرى لم تخطر لك على بال.
ومع اتساع تجاربنا وتعدد لقاءاتنا، نكتشف أن الاختلاف لا يكمن دائمًا في الأفكار والثقافات، بل قد يمتد إلى الطباع والنوايا وطرق التعامل. وهنا تبدأ الحكاية، حين تكتشف أن طيبتك التي ظننتها لغة يفهمها الجميع قد يقرؤها بعضهم ضعفًا، وأن حسن ظنك الذي منحته بعفوية قد يراه آخرون فرصة للاستغلال. عندها تبدأ الحياة في تعليمنا دروسًا لم نتلقها في قاعات العلم، ولم نجدها في الكتب، بل كتبتها المواقف في ذاكرتنا وتركتها التجارب في نفوسنا.
أبو نيّة يقلب أبو نيتين، عبارة شعبية تحمل في طياتها حكايات كثيرة عن الإنسان حين تتغير نظرته إلى الحياة والناس. فهناك من يدخل علاقاته بقلب صافٍ، لا يعرف الالتواء ولا يجيد حساب المكاسب والخسائر، يمنح الثقة بحسن نية ويتعامل مع الآخرين بما يمليه عليه ضميره. لكنه قد يصطدم يومًا بموقف لم يتوقعه، أو يكتشف أن شخصًا منحه الود لم يكن يبادله الشعور نفسه، أو أن يد العطاء التي مدها بصدق لم تجد سوى الجحود.
ومع تكرار الخيبات، يبدأ ذلك الإنسان في مراجعة نفسه، ويتعلم أن الثقة لا تُمنح للجميع بالقدر نفسه، وأن حسن النية لا يعني إلغاء الحذر، وأن التسامح لا يستوجب السماح للآخرين بتكرار الأذى. وقد تتغير طريقته في التعامل، فيصبح أكثر تحفظًا وأقل اندفاعًا، بعدما كان يمنح الآخرين مساحات واسعة من قلبه دون أن يسأل عن حدودها.
لكن السؤال هنا: هل أصبح سيئ النية لأنه تعلم كيف يحمي نفسه؟ أم أنه لا يزال طيبًا، لكنه لم يعد يمنح طيبته دون وعي؟
ثمة فرق كبير بين إنسان تعلّم من التجارب، وإنسان اتخذ من تجاربه ذريعة لتبرير أذى الآخرين. فالأول قد يتراجع خطوة ليحفظ كرامته، ويضع حدودًا تحميه من الاستغلال، دون أن يتخلى عن أخلاقه أو يتحول إلى نسخة ممن أساؤوا إليه. أما الثاني، فقد يسمح للخيبات بأن تغيّر نظرته إلى الجميع، فيعامل الصادق بريبة، ويشك في المخلص، ويمنح من لم يؤذه ثمن أخطاء أشخاص آخرين.
وفي الجانب الآخر، نصادف من يتقن إظهار الطيبة، ويتحدث بلغة الود والوفاء، ويجيد اختيار الكلمات التي تكسب القلوب، بينما تكشف المواقف أن ما يظهره لا يتفق دائمًا مع ما يبطنه. فليس كل ابتسامة دليل صفاء، ولا كل كلمة جميلة شهادة صدق، كما أن حسن المظهر والحديث لا يكفيان للحكم على حقيقة الإنسان.
هؤلاء لا تكشفهم الكلمات بقدر ما تكشفهم المواقف، ولا تعرف حقيقتهم من لقاء عابر، بل من طريقة تعاملهم حين تتعارض مصالحهم مع مصالحك، وحين يحتاجون إليك، وحين لا يعود وجودك محققًا لما يريدون. ومع ذلك، لا ينبغي أن نجعل الشك ميزانًا نحاكم به الجميع، فكما أن بين الناس من يخفي نواياه، هناك من لا يزال صادقًا يستحق الثقة والتقدير.
وهنا تتشابك الحكايتان؛ إنسان طيب غيّرته الخيبات، وإنسان أخفى نواياه خلف قناع الطيبة. وبينهما يقف سؤال يستحق التأمل: كم مرة حكمنا على إنسان تغيّر دون أن نعرف ما الذي مر به؟ وكم مرة انخدعنا بمظهر جميل لأننا اكتفينا بما سمعناه ولم ننتظر ما ستكشفه الأيام؟
إن النضج الحقيقي ليس أن نتعلم المكر لأن غيرنا أتقنه، ولا أن نغلق أبواب قلوبنا لأن أحدهم أساء الدخول إليها. النضج أن نفهم طبيعة البشر دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نمنح الثقة بوعي، ونحسن الظن دون أن نتجاهل الحقائق، ونحافظ على طيبتنا دون أن نجعلها بابًا مفتوحًا للاستغلال.
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يبقى كما كان قبل كل تجربة، ولا أن يسمح للآخرين بتكرار أخطائهم في حقه، لكنه مسؤول عن الطريقة التي يختار بها التعامل مع ما مر به. يستطيع أن يصبح أكثر حكمة دون أن يصبح أكثر قسوة، وأكثر حذرًا دون أن يفقد قدرته على المحبة، وأكثر وعيًا دون أن يتحول إلى شخص يفتش عن السوء في كل من يقترب منه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل غيّرتنا الحياة فعلًا، أم كشفت لنا جوانب في أنفسنا لم نكن نعرفها؟
حين نقول إن أبا نيّة أصبح أبا نيتين، علينا أن نتوقف قليلًا قبل أن نحكم. فقد يكون إنسانًا تعلّم أن يحمي قلبه بعدما أتعبه العطاء، وقد يكون إنسانًا اختار أن يخفي حقيقة نواياه خلف كلمات لا تشبه أفعاله. وبين الحالتين مسافة لا تقيسها كثرة الكلام، بل يوضحها صدق المواقف وثبات المبادئ.
فلنراجع أنفسنا قبل أن نراجع الآخرين، ولنسألها بصدق: هل ما زلنا نعامل الناس بما نؤمن به من قيم، أم أصبحنا نعاملهم بما فعله بنا غيرهم؟ وهل نحمي طيبتنا بوعي، أم نسمح للخيبات بأن تنتزع منا أجمل ما فينا؟
فالحياة لا تحتاج منا أن نكون ساذجين حتى نثبت طيبتنا، ولا أن نكون ماكرين حتى نحمي أنفسنا. إنها تحتاج منا أن نكون صادقين بوعي، طيبين بحدود، وأقوياء دون أن نفقد إنسانيتنا.
فليس العيب أن تتغير بعد التجارب، وإنما العبرة في الاتجاه الذي يأخذك إليه هذا التغيير
للتواصل : [email protected]



