كتاب الرأي

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

زاوية ” جمعتنا آية ” 

           ✍️حسن المقصودي-كاتب رأي : 

في دهاليز هذه الحياة المتسارعة، وبين ركام القلق اليومي الذي يطاردنا، يجد الإنسان نفسه أحياناً محاصراً في مضيق العسر. تضيق الخيارات، وتنسد المنافذ، حتى يظن المرء أن ليله لن يعقبه نهار. وفي غمرة هذا الوجع، تأتي هذه الآية الكريمة لتكون بمثابة طوق النجاة، والمرفأ الآمن الذي نرسو عليه جميعاً.. آيةٌ جمعتنا اليوم لتعيد ترتيب أرواحنا من الداخل.

حين تضيق الدوائر ليولد النور
ليس العسر في المفهوم القرآني نهاية المطاف، بل هو المخاض البشري الذي يسبق الولادة. إن كل ظلمة حاشدة نمر بها في تفاصيل أيامنا، ما هي إلا الغلاف الخشن لهديةٍ جميلة يخبئها القدر لنا خلف أستار الغيب. عندما تضيق الدوائر وتشتد الأزمات، لا يعني ذلك أن الأبواب أُغلقت، بل يعني أن الفرج قد اقترب جداً؛ فشدة سواد الليل هي البشارة الحتمية لقرب انبثاق خيط الفجر الأول.

معية اليُسر.. لا بعدية الزمن
السر المذهل في هذه الآية يكمن في حرف واحد: “مَعَ”. لم يأتِ في كتاب الله “فإن بعد العسر يسراً” في هذا الموضع المفتتح، بل قال “مَعَ” ليفيد المصاحبة والملازمة. هذا يعني بوضوح وبأعلى درجات اليقين، أن الحل يولد دائماً في رحم المشكلة، وأن سكينة اللطف الإلهي تتنزل في ذات اللحظة التي يقع فيها الوجع. إن اليُسر لا ينتظر حتى ينتهي العسر تماماً لكي يبدأ، بل يسير معه جنباً إلى جنب، يلطف بالقلب ويهوّن عليه مشقة الطريق.

تجاعيد الصبر تصنع ملامح النصر
إن الأزمات والعقبات التي نواجهها ليست مجرد عثرات عابرة، بل هي أدوات صقل ربانية تصنع منا أشخاصاً أقوى وأعمق إنسانية. تلك التجاعيد التي يتركها الصبر على ملامح أرواحنا، هي ذاتها التي تصنع نصرنا المستقبلي. الانكسار أمام باب الله في لحظات العسر ليس ضعفاً، بل هو عين القوة والرفعة التي تمدنا بالطاقة لكي ننهض من جديد، ونحن أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الحياة.

حتمية التكرار: صك أمان رباني
لماذا كرَّر الله عز وجل الآية في سورة الشرح مرتين متتاليتين؟
لقد جاء هذا التكرار البديع ليكون بمثابة مرساة تُثبّت قلب الإنسان وسط أمواج الحياة المضطربة. إنه صك أمان وإعلان رباني قاطع لا يقبل الشك؛ ليعلم المحزون، والمثقل بالهموم، والمنتظر خلف أبواب الشفاء، أن قواعد الكون الإلهية تقضي بأن “لن يغلب عسرٌ يُسرين”.

ختاما : 

 خذ نفساً عميقاً واطرد من صدرك غبار القلق؛ فما كُتبت هذه الآية في لوحِ الوجودِ المحفوظ لكي نشقى، بل لتكون اليد الدافئة التي تحنو على قلوبنا كلما أثقلتنا الأيام.
تلمس اليُسر في تفاصيل يومك الصغيرة؛ في لطفٍ مفاجئ، في ابتسامة عابر، أو في مخرج لم تحسب له حساباً. وثق بأن الذي يدبر هذا الكون الفسيح بحكمة، لن يترك قلبك الصغير يتخبط في التيه وحده. امضِ في طريقك مبتسماً، ودع الأيام تزهر بما شاء الله لها أن تزهر، فلن يغلب عسرٌ يُسرين.. ولن يغلب.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى