نحن جنود الله من دون الوطن

✍️ د. سعيد عبدالله علي جفشر – كاتب سعودي :
منذ أن وحّد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، رحمه الله، هذا الكيان العظيم، تشكلت بين القيادة والشعب رابطة راسخة، عمّقتها التضحيات المشتركة، ورسختها مسيرة الأمن والبناء. وهي رابطة تتجدد في أوقات التحديات، كما تظهر في ميادين التنمية، وتمنح الوطن قوته ووحدته وثقته بمستقبله.
وترجع جذور الأسرة السعودية إلى تأسيس الدرعية على يد مانع المريدي سنة ٨٥٠هـ/١٤٤٦م، قبل أكثر من ستة قرون، ثم تأسست الدولة السعودية الأولى بقيادة الإمام محمد بن سعود سنة ١١٣٩هـ/١٧٢٧م. ومن المهم تاريخيًا التمييز بين عمق الجذور الأسرية وتاريخ قيام الدولة، فلكل منهما دلالته في فهم هذه المسيرة الممتدة في قلب الجزيرة العربية.
ومع الملك المؤسس عبدالعزيز، اجتمعت هذه البلاد بعد مسيرة طويلة من التوحيد، شارك فيها أبناء مناطقها وقبائلها ومدنها. وقد حملت تلك المسيرة معارك وتضحيات، كما حملت بيعات ومصالحات وانضمامًا طوعيًا؛ حتى استقر الكيان السعودي على وحدة سياسية واجتماعية، تعمقت في وجدان أبنائه عبر الأجيال.
إن ما نلمسه اليوم من محبة القيادة والاعتزاز بالوطن امتداد لتلك المسيرة؛ فالولاء يتجسد في شعور المواطن بأنه شريك في حماية بلاده، ومسؤول عن أمنها واستقرارها، ومساهم في بنائها. وفي أوقات الأزمات يظهر هذا الشعور بصورة أوضح، حين تتقدم المصلحة الوطنية، وتتوحد الكلمة، ويتجدد الاستعداد للبذل.
لقد عشت مظاهر هذا الولاء والانتماء إبان غزو الكويت، وما تبعه من دور سعودي محوري في حشد التحالف الدولي والمشاركة في تحرير الدولة العربية الخليجية الشقيقة. وما زالت ذاكرتي تستعيد حشود المتطوعين ورسائل المواطنين إلى قيادتهم، تعلن الاستعداد لخدمة الوطن والوقوف مع الأشقاء، وتؤكد العهد بالطاعة في المنشط والمكره.
وشهدت كذلك مواقف المواطنين خلال مواجهة الإرهاب، حين تجددت صور الالتفاف حول القيادة، وبرز الوعي بأن حماية الوطن مسؤولية يشترك فيها الجميع. وفي تلك المرحلة أثبت المجتمع السعودي أن قوة الجبهة الداخلية تقوم على الثقة والتعاون ووحدة الصف، وعلى رفض كل دعوة تسعى إلى تمزيق المجتمع أو النيل من أمنه.
وحين انطلقت عاصفة الحزم، حضرت المواقف نفسها في صور جديدة؛ وما زالت الأهازيج التي صدحت بها قبائل هذا الوطن في استقبال القوات السعودية حاضرة في ذاكرة من شهدها، تؤكد الوقوف خلف القيادة، وتعبّر عن الاعتزاز برجال القوات المسلحة، الذين حملوا أمانة الدفاع عن الوطن ومساندة الأشقاء.
كانت تلك المشاهد تعبيرًا عن يقين وطني بأن حماية الحدود، وصيانة المقدسات، ومواجهة مصادر التهديد، واجبات تستحق التضحية. وهي كذلك تجسيد لإرث أسري واجتماعي، يتعلم فيه الأبناء من آبائهم معنى المسؤولية والوفاء، وصدق الشاعر حين قال:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوّده أبوه
يجمع الموقف السعودي تجاه اليمن بين ردع العدوان وإغاثة الأشقاء ودعم التنمية، صونًا للأمن والاستقرار. ونحن أبناء من حملوا راية التوحيد، باقون على العهد بالعمل والانضباط ووحدة الصف وتلبية النداء تحت راية الدولة.
وبثوابتنا الإسلامية، نمضي خلف الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان في الحزم والبناء، مستعدين للبذل دفاعًا عن الوطن والمقدسات. نسأل الله أن يحفظ قيادتنا، وينصر جنودنا، ويحمي وطننا وأشقاءنا، ملتزمين بالطاعة بالمعروف، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
ونردد بقلوبنا قبل ألسنتنا: «نحن جنود الله من دون الوطن». نحمل الحب الصادق والانتماء الأصيل، ونجدد الولاء لهذه القيادة الرشيدة، ونمضي معها في حماية الدين والمقدسات، وصيانة أمن البلاد، وخدمة أهلها وبناء مستقبلها. وسيبقى هذا التلاحم، بإذن الله، قوة وطننا وعدته، وعهدًا نورثه أبناءنا كما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا.
للتواصل : [email protected]



