نهية أخت ضيف الله… حكاية جمعة من ذاكرة القرية

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة بجامعة الملك سعود :
في خواطر اللحظات وهدوء الشوارع وانخفاض حركة السير والمرور، يتحرك الفكر، وتتكون مع السكون ذكريات، لتلوح في الأفق حالة الماضي وما به من ذكريات في مساحة تخزين عليها حماية من الإرهاصات، لتصدر المشهد الجمعة وذكريات القرية وسلوكيات المشهد الذي يحمل رونقًا محفورًا لا يشبه سائر الأيام، ولها في وجدان الطفولة مكانة تتجاوز حدود الزمن والتاريخ. كانت موعدًا للعبادة والألفة، ومشهدًا تجتمع فيه تفاصيل الحياة حول طقوس مألوفة، تتوارثها الأجيال وتختزنها الذاكرة دون أن تدري أنها ستصبح يومًا من أعز ما تحتفظ به القلوب. وحين أستعيد جمعة القرية، تطل جدتي نهية الشهيل، وما تحب أن تُكنّى به: «أخت ضيف الله»، من نافذة الذاكرة، وتعود معها حكايات الصباح ومشاهد الظهيرة والعصر، من اغتسال أبي وشايه المعتق، إلى شقيقتي سلمى وبرها بجدتي، من إعداد ماء الغسيل والشامبو الأحمر وتجهيز نار من جذوع الرمث، وبخور الجدة ودعواتها لشقيقتي، دعاء عميق أثره اليوم مشهود، إلى قشدة الوالدة ميثاء التي كانت تحلّي عصر الجمعة وتجمع الأسرة حول مائدة المحبة.
كان الشتاء في القرية حكاية أخرى، له هيبته التي يعرفها الصغير قبل الكبير، وكان البرد القارس، خاصة حينما ينزل الصقيع على الأرض وتصبح أوراق الربيع بيضاء ناصعة، تسميه الجدة «الحليت». يتسلل معه البرد إلى الأجساد، فيثير القشعريرة ويجعل المرء يبحث عن دفء النار وقرب الأحبة. لم تكن الملابس كما هي اليوم، ولا وسائل التدفئة متاحة، فكانت الحياة تعلمنا الصبر، ويعلمنا البرد أن للدفء قيمة لا يعرفها إلا من عاناه. وفي ذلك المشهد الشتوي، كانت حظائر الغنم والأبقار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وكان الاهتمام بالمواشي ومتابعتها عملًا لا يتوقف بسبب البرد، بل تفرضه حاجات المعيشة ومسؤولياتها.
ولم تكن المياه الساخنة متاحة بضغطة زر، كما هي الحال في أيامنا بفضل الله وتوحيد هذه البلاد وجهود قادتها وأمانتهم، بل كان تسخين الماء يحتاج إلى إعداد وإشعال النار بكرب النخيل وأعواد الأثل، وتطور الأمر إلى طباخات القاز. كانت النار أكثر من وسيلة للتدفئة، فقد كانت رفيقة الشتاء، ومصدر الدفء، وموضع اجتماع الأسرة، حولها تتقارب الأجساد وتتبادل الأحاديث، وتخف وطأة البرد حين تحضر الألفة. كانت الأشياء بسيطة، لكنها لم تكن بلا معنى، فكل حاجة وراءها جهد، وكل راحة تسبقها مشقة، وكل نعمة صغيرة كانت تستحق الحمد.
وفي صباح الجمعة، كان لأبي رحمه الله شأنه المعتاد الذي ما زالت صورته ماثلة في الذاكرة. يغتسل، ثم يتناول الشاي المعتق، ويتهيأ للذهاب إلى المسجد قبل الثامنة صباحًا. كانت الجمعة تبدأ في البيت قبل أن تبدأ في المسجد، في هدوء الصباح واستعداداته، وفي تلك التفاصيل التي قد تبدو عادية لمن يعيشها اليوم، لكنها تصبح مع مرور السنين صفحات ثمينة من سيرة الأسرة. لم أكن أدرك آنذاك أن تلك المشاهد اليومية ستغدو ذكريات أعود إليها كلما اشتقت إلى أبي، أو حننت إلى زمن كانت تفاصيله الصغيرة تصنع في القلب أثرًا كبيرًا.
أما جدتي نهية، فكانت حاضرة في الذاكرة بحنانها وطقوسها التي لا تشبه طقوس أحد. أذكرها في صباح شتوي، وأختي تمشط شعرها وتحممها تحت أشعة الشمس، في ذلك المكان الذي كنا نسميه «مشراق الشتاء»، حيث يتسلل الدفء إلى الأجساد بعد ساعات البرد. كانت تمشط شعرها بعناية بما يطلق عليه ماء «البلالة»، ثم تستخدم «بخور والدي الهندي»، وتقول لها عبارتها الأمية البسيطة التي بقيت عالقة في وجداني: «بخرك الله عند ربك». لم تكن كلمات عابرة، بل كانت دعوة تنبع من قلب جدة، تختلط فيها المحبة بالرجاء، والعناية بالبركة، وتختصر علاقة جيل بجيل في عبارة شعبية تحمل من المعاني أكثر مما تحمله الكلمات في ظاهرها. جدتي التي تقيم بمنزل عمي زيد عند تولاده، والذي كان مغتربا ويعمل في دولة عمان الشقيقة، وتحضر فقط صباح الجمعة يجتذبها تلطف أجواء شقيقتي سلمى الحنونة لها.
وما زلت كلما استحضرت ذلك المشهد أرى الشمس وهي تنثر دفأها على المكان، وأرى جدتي وهي تؤدي عملها بعفوية وطمأنينة، وأسمع صوتها كأنه لم يغب. كم من تفاصيل عشناها في طفولتنا دون أن نلتفت إلى قيمتها، ثم كبرنا فعرفنا أن بعض اللحظات لا تتكرر، وأن بعض الأصوات لا يعوضها صوت، وأن وجوه الأحبة تظل حاضرة في الذاكرة حتى بعد أن تغيب عن العين.
وفي عصر الجمعة، كانت لأمي رحمها الله ميثاء اللحيدان حكاية أخرى، عنوانها الزبد والسمن والقشد والتمر. كانت تجمع الزبد الناتج من خض اللبن، وتصنع منه سبع كور بعدد إنتاج أيام الأسبوع، ثم تستخرج السمن في مشهد من مشاهد التدبير المنزلي الذي كانت النساء يتقن تفاصيله بصبر وخبرة. وبعد ذلك تعد القشد، وهو ما كانت تستخدمه من الدقيق لتصفية السمن، ثم تضيف إليه التمر، فتجتمع في ذلك المزيج نكهة الريف وبركة الرزق ودفء البيت.
كنا ننتظر حتى يبدأ أبي الطعام، فلا تكتمل فرحة المائدة إلا بحضوره، وكأن اجتماع الأسرة حوله جزء من طقوس الجمعة التي لا تستقيم إلا به. كانت الوجبة بسيطة في مكوناتها، عظيمة في معناها، فالطعام لم يكن مجرد ما يسد الجوع، بل مناسبة للقاء، وعنوانًا للمودة، وامتدادًا لعادات تربط أفراد الأسرة بعضهم ببعض. وحين ينتهي العصر، كانت جدتي نهية تأتي لتأخذ قسمها المحفوظ، في مشهد يكشف عن مكانتها في البيت، وعن ذلك الوفاء الذي لا يحتاج إلى إعلان، لأن المحبة الحقيقية تظهر في التفاصيل قبل الكلمات.
كانت لجدتي حصتها التي لا تُنسى، كما كانت لها مكانتها التي لا تتغير. لم يكن نصيبها مجرد طعام، بل كان صورة من صور البر وصلة الرحم، ودليلًا على أن الأسرة لا تقوم على القرابة وحدها، بل على ما يتبادل أفرادها من عناية ووفاء وحقوق محفوظة. واليوم، حين أستعيد تلك المشاهد، أدرك أن البيوت لا تحفظها الجدران وحدها، بل تحفظها القلوب التي تعرف قدر أهلها، والأيدي التي تعطي دون منّ، والعادات التي تجعل للمحبة حضورًا يوميًا لا يحتاج إلى مناسبة، وهذا مشهد مألوف لدى الأسر الكبيرة والعوائل الأكثر رفاهًا اقتصاديًا في ذلك الزمن، وفق اقتصاد القرية ومحدداتها.
لقد تغيرت الحياة، وتبدلت وسائل العيش، وأصبح ما كان يحتاج إلى وقت وجهد يُنجز في دقائق. صارت المياه الساخنة متاحة بفضل الله وتوفيقه، وتعددت وسائل التدفئة، واختلفت المساكن والملابس، وتغيرت موائد الطعام. لكن التطور، مهما اتسعت منافعه، لا يستطيع أن يعيد إلينا زمنًا مضى، ولا أن يستحضر صوتًا غاب، ولا أن يمنحنا فرصة أخرى للجلوس مع من فقدناهم. فالأشياء تتغير، أما المعاني التي زرعها الأحبة في نفوسنا فتبقى، وكلما تقدم بنا العمر ازددنا إدراكًا لقيمتها.
وليس الحنين إلى القرية حنينًا إلى المشقة أو قلة الإمكانات، بل هو حنين إلى الناس الذين منحوا تلك الحياة معناها، وللعمر الذي مضى سريعًا، وإلى العلاقات التي كانت تتجلى في أبسط المواقف، وإلى جمعة تجمع الأسرة على العبادة والطعام والحديث، وإلى جدة تمشط شعر حفيدتها وتودعها بدعوة، وأم تعد الطعام بمحبة، وأب يستعد للصلاة في سكينة الصباح. إنها ذاكرة لا تستعيد الماضي لمجرد البكاء عليه، بل لتذكرنا بأن ما نعيشه اليوم من راحة ووفرة لا ينبغي أن ينسينا فضل من سبقونا، ولا قيمة ما تركوه فينا من عادات ومبادئ.
رحم الله جدتي نهية، وأبي، وأمي، وغفر لهم، وأنار قبورهم، وجعل ما قدموه لنا من رعاية ومحبة ودعوات صادقة في موازين حسناتهم. اللهم كما كانوا لنا دفء الحياة في صغرنا، فاجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
ستبقى جمعة القرية في الذاكرة موعدًا بين ماضٍ لا يعود وحنين لا ينقطع، بين صقيع «الحليت» ودفء النار، وبين اغتسال الصباح وخطوات المسجد، وبين بخور الجدة وقشدة الأم، وبين وجوه غابت ومآثر بقيت.
لقد رحل أصحاب الحكاية، ولم ترحل الحكاية، وغابت الوجوه، وبقيت المآثر. وما بين ماضٍ انقضى وحاضر يمضي، تظل نهية أخت ضيف الله الشهيل جزءًا من ذاكرة القرية، وتظل تفاصيلها وتفاصيل من عاشوا معها شاهدة على زمن كانت فيه الأشياء قليلة، لكن معانيها كثيرة، وكانت الحياة أكثر مشقة، لكن القلوب تعرف كيف تصنع من البساطة غنى، ومن اللقاء بركة، ومن الذكرى تاريخًا لا يشيخ. رحم الله الراحلين، وأطال بعمر الباقين، وحفظ الله الوطن وقادته وولاة امرنا من كل سوء، وبصّرنا بالصواب والخير.
للتواصل : [email protected]



