كتاب الرأي

التخطي… حين نختار أنفسنا بعد كل ما أوجعنا

          ✍️شفاء محمد- كاتبة رأي:

ليس كل من تجاوز قد نسي، وليس كل من ابتسم قد تعافى، فهناك من يحمل في داخله حكايات لم يروِها، وخيبات لم يتحدث عنها، وذكريات لا تزال تؤلمه، لكنه قرر ألا يسمح للماضي بأن يسرق ما تبقى من عمره.

التخطي ليس نسيانًا، بل هو أن تتذكر دون أن تنكسر.

في حياتنا نمر بمواقف تترك في أرواحنا أثرًا لا تمحوه الأيام بسهولة، قد تكون خذلانًا من شخص وثقنا به، أو فراقًا لم نكن مستعدين له، أو حلمًا انتظرناه طويلًا ولم يتحقق. والأصعب من الألم نفسه أن نظل أسرى له، نعيد تفاصيله في عقولنا وكأننا نبحث عن إجابة تعيد إلينا ما فقدناه.

لكن متى ندرك أن بعض الأسئلة لن نجد لها إجابات؟ وأن بعض الأشخاص رحلوا دون اعتذار، وبعض العلاقات انتهت دون تفسير، وبعض الأبواب أُغلقت لأن بقاءها مفتوحة كان سيكلفنا الكثير من سلامنا النفسي؟

التخطي الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن انتظار الإنصاف ممن ظلمونا، وعن انتظار الاعتذار ممن جرحونا، وعن محاولة إصلاح علاقات استنزفت أرواحنا أكثر مما أسعدتها.

ولعل أصعب مراحل التخطي ليست الابتعاد عن الأشخاص، بل الابتعاد عن الصورة الجميلة التي رسمناها لهم في خيالنا، وعن الأحلام التي بنيناها معهم، وعن النسخة القديمة من أنفسنا التي كانت تؤمن أن بعض الأشياء ستدوم إلى الأبد.

ليس كل ما نخسره خسارة، فقد يكون بعض الفقد نجاة تأخرنا في إدراكها.

والتخطي لا يعني القسوة أو الجحود، ولا أن ننكر الأيام الجميلة، بل أن نضع كل تجربة في مكانها الصحيح، فنحتفظ بالدروس ونتحرر من الألم، ونمنح أنفسنا فرصة لنعيش دون أن نحمل أثقال الأمس إلى كل يوم جديد.

هناك لحظة نضج يصل إليها الإنسان، لا يعود فيها راغبًا في العتاب، ولا مهتمًا بإثبات الحقيقة، ولا منتظرًا أن يشعر الآخرون بحجم ما تسببوا به من وجع. ليس لأنه فقد إحساسه، بل لأنه أدرك أن راحته أغلى من أن يستهلكها في معارك انتهت منذ زمن.

والأجمل في التخطي أن تصل إلى مرحلة ترى فيها ما كان يؤلمك دون أن يهتز قلبك، وأن تسمع اسمًا كان يومًا يعني لك الكثير فلا تشعر بالحاجة إلى العودة، وأن تتذكر موقفًا قاسيًا فتدرك كم أصبحت أقوى بعده.

وفي النهاية…

لا تقسُ على نفسك إن تأخرت في التخطي، فبعض الجراح تحتاج وقتًا أطول لتلتئم، وبعض الذكريات لا تغادرنا تمامًا، لكنها تفقد قدرتها على إيذائنا.

تذكر دائمًا أن الحياة لا تتوقف عند شخص، ولا تنتهي عند خيبة، ولا تُختصر في تجربة مهما كانت قاسية.

فأعظم انتصار على الماضي ليس أن تنساه، بل أن تستعيد نفسك منه، وأن تعيش سعيدًا رغم كل ما حدث، لا لأنك لم تتألم… بل لأنك قررت أخيرًا ألا تجعل ألمك قدرًا دائمًا.

للتواصل : [email protected]

شفاء محمد الخيمي

مديرة مكتب صحيفة عنوان الإخبارية في المنطقة الشرقية مديرة نادي قيم الإعلامي في المنطقة الشرقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى