الانتماء الحقيقي و زيف الشعارات ..

✍️ عبدالله الزبيدي – كاتب سعودي :
تُعدّ كرة القدم مرآة حية تنعكس فيها أخلاق الأمم ، و مقياس حضاري لوعي الشعوب و جماهيرها ، ففي مشهدنا الرياضي اليوم تتقاطع عواطف الملايين وتتزاحم الانتماءات و يبرز جلياً اختبار الانتماء الحقيقي حين تتراجع الاعتبارات الضيقة لتتحد شعارات الأندية خلف راية الوطن محتفلةً بتحقيق انجاز طال انتظاره لأكثر 23 عاماً .. غير أن هذا التوحد المنشود يواجه في كثير من الأحيان عقبات بنيوية أبرزها الخطاب غير المحترف الذي تصدره بعض المنابر الإعلامية والبرامج الرياضية التي تتغذى على إشعال فتيل التعصب.
ينزلق البعض بمفهوم التشجيع نحو مربعات ضيقة تحيله إلى صراع صفري وعداوة مطلقة متناسين أن جوهر المنافسة الرياضية يكمن في إثرائها واختلاف ألوانها.
التشجيع الراقي هو احتفاء بفن اللعبة و انتماء صحي لفريقك المفضل دون انتقاص من قدر المنافس أو الإساءة لرموزه.. فالواعي رياضياً يُدرك بيقين أن المدرجات الملونة بأطياف الأندية هي التي تمنح المنافسة بهجتها ، لكنها تظل بأسرها تحت مظلة وطن واحد يجمعنا جميعاً ، و إن اختبار الوطنية الحقّة يظهر جلياً حين يقف المشجع بكل جوارحه داعماً للاعب الذي يرتدي قميص المنتخب الوطني، بغض النظر عن النادي الذي ينتمي إليه و انتصار المنتخب هو الفرحة الكبرى التي تذوب أمامها كل الحسابات.
الإعلام الرياضي بين رسالة التنوير وفخ الإثارة ..
إذا كان التعصب الجماهيري داءً أصاب ثلة من الجماهير ، فإن البرامج الرياضية غير المحترفة و إعلام التجييش يعتبرا الوقود الأساسي الذي يغذي نيرانه ويوسع نطاقه .. فحين تتخلى بعض المنصات الإعلامية عن رسالتها المهنية و رصانتها التحليلية ، و تتحول “الاستديوهات” إلى مسارح لتأجيج الاحتقان ، و اصطياد الإثارة الرخيصة ، و تضخيم الصراعات على حساب المصلحة العامة ، فإنها تهدم في ساعات ما تبنيه قيم الوعي و التربية لأعوام طويلة.
إن لغة التحريض و تكريس التعصب الرياضي المقيت تفكك النسيج الاجتماعي الرياضي ، و تفرغ التشجيع من مضمونه الأخلاقي الإنساني ، لتجعله ساحة للتناحر المستمر والمكايدات الإلكترونية التي لا تخدم تطور الرياضة و لا تسهم في بناء جيل واعي واعد .
إنقاذ المشهد الرياضي و إرساء دعائم الوعي الحقيقي يتطلبان وقفة جادة و مسؤولية تضامنية تتكامل فيها جهود عدة أطراف رئيسة:
1. الارتقاء بالخطاب الإعلامي عبر فرض معايير مهنية صارمة على البرامج الرياضية ، و محاسبة الطرح الذي يثير النعرات ، لصالح تقديم تحليل فني راقي و خطاب عقلاني يبني و لا يهدم.
2. تفعيل دور إدارات الأندية في تعزيز ثقافة المبادرات المشتركة ، و إطلاق رسائل التسامح والروح الرياضية بصفة مستمرة لترسيخ مفهوم أن المنافسة شريفة و مؤقتة ، و أن الروابط الإنسانية و الوطنية أبدية.
3. غرس مفاهيم التشجيع الراقي و الأخلاق الرياضية في نفوس الناشئة ، و تذكيرهم دائماً بالقيم و المبادئ الإسلامية و الأخلاقية و الوطنية و الروح الرياضية العالية.
ختاماً ..
الأندية مهما بلغت شهرتها و أمجادها تتغير ، و اللاعبون و الإداريون يرحلون ، لكن الأوطان وحدها هي الباقية و الشامخة.. لنستمتع بكرة القدم بكل ما تحمله من شغف و ندية ، و لنجعل من ملاعبنا و منصاتنا الإعلامية منارة للوعي و التحضر مستحضرين دائماً الحقيقة الراسخة: أن حب الوطن والانتماء إليه هما الغاية الأسمى التي لا تقيدها شعارات، و لا تهزها نتائج المباريات .
للتواصل: [email protected]



