حمد الرشيدي: الصحافة أخذتني بعيدًا عن الأدب.. والعود إليه أحمد

حاوره – مساعد السعدوني – الرياض :
حين تتحدث التجربة، يكون للكلمة معنى آخر..
في حوار أجراه مقهى «أرجوحة شرقية» مع الأديب والصحفي حمد الرشيدي، نقترب من ذاكرة الكلمة، ومحطات الصحافة والأدب، وحكايات بقي أثرها، في حديث يكشف جانبًا من تجربته الإبداعية والثقافية، وعلاقته بالتاريخ والمكان والنقد والصحافة.
«وجدت نفسي بين عوالم الأدب والمعرفة منذ سن مبكرة»
السؤال:
بين الرواية والشعر والتاريخ والنقد، ما السؤال الذي ظل يطارد حمد الرشيدي وانتقل معه من كتاب إلى آخر دون أن يصل فيه إلى إجابة نهائية؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
بين الرواية والشعر والتاريخ والنقد؛ هكذا وجدت نفسي، منذ سن مبكرة ودون سابق إنذار، بين هذه العوالم الإبداعية، ودون أن أبحث عن سبب معين لحبي للأدب شعرًا ونثرًا من جهة، وبين شغفي بالبحث عن المعرفة من جهة أخرى.
ربما أستطيع أن أصف نفسي – إذا جاز لي أن أصفها بشيء أكثر وضوحًا – بأني من ذلك النوع من الكتّاب «الموسوعيين» الذين يتوسعون في اهتماماتهم الإبداعية والثقافية والعلمية على حد سواء.
بدأت حياتي الأدبية والثقافية المبكرة قارئًا فقط، أقرأ كل ما يقع تحت يدي من كتب أو صحف أو مجلات، وفي مواضيع شتى، ثم بعد فترة وجيزة بدأت بكتابة الشعر في بداية الثمانينيات الميلادية بنوعيه؛ الفصيح والشعبي، إلى جانب اهتمامي بشكل ثانوي وبسيط بكتابة القصة القصيرة، ثم تلاها بسنوات قليلة اهتمامي بكتابة الرواية والنقد الأدبي، حتى توسعت اهتماماتي لاحقًا لتشمل البحوث والدراسات العلمية، كالتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا.
«الخيال لا ينبغي أن يغيّر جوهر الحقيقة»
السؤال:
في «على مقام الحجاز» و«سنوات في ذاكرة نجد» يلتقي التاريخ بالأدب؛ متى يكون الخيال وفاءً للتاريخ، ومتى يتحول إلى خيانة له؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
في مثل هذه الأعمال التي طُبعت لي وتم نشرها، كنت أحاول دائمًا أن أساير التاريخ الواقعي لأي حادثة تاريخية أتناولها، وألا أتصادم مع تاريخ هذه الحادثة أو تلك، أو مكانها وزمانها؛ لأني إذا فعلت ذلك فسأكون خائنًا للتاريخ فعلًا، أو فاقدًا للمصداقية.
كل ما يعنيني في هذه الحالة هو إضفاء شيء من الخيال الأدبي والروح الفنية على أي حادثة أتناولها، بحيث لا يغيّر هذا الخيال من جوهر حقيقة ما أتحدث عنه.
وهذا يعني – باختصار – أني أتصرف على نحو فني في صياغة الشخصيات التي تحرك الحدث التاريخي، وبعض سلوكياتها وتفسيراتها، حتى أخرجها من جفاف الحقيقة المجردة لتكون صالحة للعمل السردي كشخصية فنية تتوافر فيها شروط الشخصية المتفاعلة مع الحدث القصصي، بأسلوب أدبي يجذب القارئ ويشده إليه.
والذي يهمني في نهاية الأمر، وفي مثل هذه الحالات، هو الصدق الأدبي المرتبط بالعاطفة، وليس واقعية الحادثة ومدى قربها من الحقيقة من عدمه. فكل منا قد يمتلك مخزونًا تاريخيًا كبيرًا، لكننا نختلف عن بعضنا في كيفية كتابتنا لهذا التاريخ بطريقة أو بأخرى.
«المكان ذاكرة أخشى عليها من الضياع»
السؤال:
تبدو الأمكنة حاضرة بقوة في مؤلفاتك، مثل «خيبر ومعالمها في الشعر العربي» و«الثمد عبر التاريخ»؛ هل تكتب عن المكان خوفًا من اندثاره، أم اعتراضًا على الطريقة التي كُتب بها تاريخه؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
كلا الأمرين يهمني الاعتناء بهما معًا في آن واحد؛ فحضور الأمكنة في مؤلفاتي إما يكون بهدف الحفاظ على المكان الجغرافي والخوف عليه من الضياع مع مرور الزمن، كالكتابة عن أحد المواقع التي أهملها التاريخ ولم يعطها حقها من البحث والدراسة، أو بهدف اعتراضي على ما كُتب عنه ممن سبقوني في الكتابة عن بعض المواقع والمواضع الجغرافية من كتّاب ودارسين وباحثين.
وقد يكون ذلك لوجود خطأ وقع فيه السابقون، وهي في غالبها أخطاء عفوية أو وهم وما شابه ذلك، طالت أحد المواقع، أو اختلطت عليهم بعض الحوادث التاريخية في زمان حادثة ما أو مكانها الجغرافي، أو بسبب تشابه أسماء هذه المواضع وتغير أسمائها مع مرور الوقت عبر الأجيال السابقة واللاحقة.
«الوطن أصبح البديل الكلي للقبيلة»
السؤال:
في كتابك «العودة إلى ثقافة القبيلة الجاهلية الجديدة»، هل ترى أن حضور القبيلة اليوم امتداد طبيعي للهوية، أم عودة اجتماعية سببها عجز المدينة الحديثة عن منح الإنسان الأمان والانتماء؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
في هذا الكتاب «العودة إلى ثقافة القبيلة» ركزت على دراسة القبيلة في الزمان السابق، وقبل توحيد المملكة العربية السعودية، من حيث كونها المرادف الموضوعي لمسمى «الوطن».
ثم في مواضع لاحقة من فصول هذا الكتاب أكدت أن «الوطن» قد أصبح هو البديل الكلي للقبيلة، وذلك بعد أن قام الملك المؤسس الموحد عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – بتوحيد المملكة، فلم نعد قبائل وشعوبًا متفرقة بين بادية وحاضرة كما كنا في السابق، وإنما أصبحنا شعبًا واحدًا، تحت قيادة واحدة، وراية واحدة، ووطن واحد أيضًا، ولله الحمد.
«مجنون ليلى اليهودية» يتجاوز حدود العمل السردي
السؤال:
عنوان «مجنون ليلى اليهودية» يحمل استفزازًا فكريًا واضحًا؛ ما الفكرة التي أردت زعزعتها في ذهن القارئ من خلال هذا العنوان والرواية؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
«مجنون ليلى اليهودية» ليست مجرد عمل أدبي سردي فحسب، ولكنها عمل أدبي تاريخي جغرافي وفكري، يذهب إلى ما هو أبعد من كونه عملًا أدبيًا خالصًا.
فهي تستعرض تاريخ جزيرة العرب وحضاراتها التي شهدتها على مدى آلاف السنين، وتعاقب هذه الحضارات وما خلفته من آثار مادية ومعنوية في هذه المنطقة من العالم تحديدًا، وما ترتب عليها من انعكاسات متباينة على سكانها من جوانب عدة، قد لا يتسع المجال لذكرها.
«الشخصيات الهامشية تكسر روتين السرد»
السؤال:
في «الصعاليك» و«أقدام تنتعل السراب» تنحاز إلى شخصيات تقف على هامش المجتمع؛ لماذا يغريك الهامش أكثر من المتن، وماذا ترى فيه ولا يراه الآخرون؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
أحيانًا – وليس دائمًا – قد تكون بعض الشخصيات «الهامشية» ذات دور بالغ الأثر في أي عمل قصصي. وقد أصفها بأنها كالمنكهات أو التوابل التي تلطّف المناخ العام ومسرح الحدث القصصي في أي عمل قصصي أو سردي، وتضفي عليه جانبًا من التشويق.
فهي مثل منكهات الطعام، التي قد لا يفقد الطعام قيمته الغذائية الفعلية فيما لو تجاوزها الكاتب، لكنها قد تزيده لذة ومتعة فيما لو استحضرها بأسلوب معين في أحد المشاهد من العمل، لتكسر روتين السرد الممل، بدلًا من التركيز على الشخصيات الرئيسة طيلة امتداد صفحات الرواية.
وهذا ما أعتقد أني فعلته في روايتي «أقدام تنتعل السراب»، وفي روايتي «الصعاليك».
«الشاعر يرى في الجبل ما لا يراه الجيولوجي»
السؤال:
في كتاب «الجيو إنسانيات أو الجيولوجيا الإنسانية في الشعر العربي» منحت الشعر قدرة على قراءة الإنسان والمكان؛ هل يمكن للشعر أن يكون وثيقة معرفية، أم أن الخيال يضعف الاعتماد عليه؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
في هذا الكتاب «الجيو إنسانيات» حاولت قدر الإمكان أن أكون قريبًا من الإنسان المثقف، الباحث عن الفن وجماليات الطبيعة؛ كالأرض ومعالمها الظاهرة من جبال وسهول وأنهار وأودية، وما فيها من ثروات معدنية وغيرها.
فأنا في هذا الكتاب أقرب للأدب من العلم؛ لأني اعتمدت فيه وبشكل أساسي على ما قاله الشعراء العرب قديمًا وحديثًا عن الأرض ومعالمها وما على سطحها من مظاهر جيولوجية وجغرافية، وكيف فسرها الشعراء بطريقة تختلف عن تفسير العالم أو الباحث الأكاديمي المتخصص في علوم الجغرافيا والجيولوجيا وغيرها من العلوم ذات العلاقة.
فالجيولوجي – على سبيل المثال – حين ينظر إلى وادٍ من الأودية أو جبل من الجبال، سيفسره من منظور علمي، أما الشاعر فلا يضع اعتبارًا لمثل هذه الحقائق العلمية عن الأودية والجبال، ولكنه يصف ما يهمه منها من ناحية فنية أدبية.
فقد يتخيل أن محبوبته كانت نازلة هي وقومها يومًا في هذا الوادي ثم ارتحلت عنه، أو يصف جبلًا بطريقة فنية جميلة ويظل يناجيه في شعره وكأنه يتحدث إلى كائن حي، وربما امتدح أحد ممدوحيه ووصفه بأنه شجاع ومهيب كالجبل.
وهذا بعكس الجيولوجي أو عالم الجغرافيا الذي لا تهمه مثل هذه الجوانب الفنية ومظاهرها الخلابة بقدر ما يهمه التفسير العلمي الموضوعي لوجود هذا الوادي أو ذاك الجبل.
«أتمنى أحيانًا أن أتخلص من الناقد الذي بداخلي»
السؤال:
أنت شاعر وناقد في الوقت نفسه؛ حين تكتب القصيدة، هل يراقبك الناقد داخلك فيحد من عفويتك، أم أن الشاعر يتمرد عليه ويكتب بعيدًا عن أحكامه؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
كم تمنيت حين أكتب الشعر أن أتخلص من وجود الناقد في داخلي والله! فعلًا هذا هاجس يؤرقني في كثير من الأحيان.
وهذه مشكلة لا تخصني وحدي، وإنما هي مشكلة يتعرض لها كثير من «الشعراء النقاد»، لكني في الوقت نفسه أحاول أن أوازن بين الشعر كموهبة وبين النقد كحرفة أو مهنة في داخلي وفيما بيني وبين نفسي، وإن كنت أحيانًا أتعرض لفقدان توازني بين هذا وذاك.
لكن ما يجعلني أطمئن إلى أن هذا أمر طبيعي هو أن هناك نماذج معروفة وبارزة في أدبنا العربي على مر التاريخ كانوا يجمعون في أشخاصهم بين الأدب والنقد في وقت واحد، وقد برعوا في ذلك، كأبي تمام وأبي العلاء المعري وابن المعتز قديمًا، ومن العصر الحديث كثيرون جدًا، أبرزهم طه حسين والعقاد وجبران خليل جبران وغيرهم، وجميع هؤلاء كانوا شعراء مبدعين ونقادًا بارعين في الوقت ذاته.
«قناعة الكاتب بما يكتب تسبق رأي القارئ»
السؤال:
بعد هذا العدد الكبير والمتنوع من المؤلفات، أي كتاب شعرت أن القراء توقفوا عند عنوانه ولم يصلوا إلى فكرته الحقيقية؟ وما الذي أساؤوا فهمه فيه؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
هذا السؤال أفضل أن أتركه للقراء، ليس لأني أجهل الإجابة عليه، لكن لكوني أفضل أن يجيبوا عنه هم بأنفسهم.
وهناك شيء آخر، وهو أني مقتنع فيما أكتبه وأنشره إلى حد كبير، وكنت ولا أزال أعتبر رأي القارئ مهمًا عندي بالتأكيد، لكن الأهم منه أن أكون مقتنعًا تمام الاقتناع بما أكتبه فعلًا بكل صدق وأمانة.
واستكمالًا للإجابة عن هذا السؤال، فهناك بعض الكتب التي ألفتها ووجدت أنه كان لها صدى جيد ولا بأس به لدى عامة القراء، مثل روايتي «مجنون ليلى اليهودية»، وكتابي «خيبر»، وكتابي «العودة إلى ثقافة القبيلة».
وجميع هذه المؤلفات قد انتشرت، وكتب عنها عدد ليس بالقليل من النقاد والباحثين والدارسين عبر وسائل الإعلام المختلفة، وتم نشر بعض هذه الدراسات في مجلات بحوث علمية متخصصة ومعروفة.
«مخطوطات كثيرة ما زالت رهينة الأدراج»
السؤال:
ما الكتاب الذي يسكنك منذ سنوات، لكنك لم تستطع كتابته حتى الآن؛ وما الذي يمنع ولادته؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
الحقيقة أن ما كنت أطمح إليه من نشر مؤلفاتي التي لا تزال مخطوطة حتى الآن أقل بكثير من المتوقع، وعندي حتى هذه اللحظة كثير من مخطوطات الشعر والأدب والدراسات العلمية التي لم أتمكن من نشرها، وذلك لأسباب عدة.
أهمها شروط النشر التي تفرضها بعض دور النشر على الكتاب ونشره، حسب سياسة النشر والإعلام المتبعة التي تفرضها بعض الدول على الناشرين الذين تقع مقار أعمالهم في هذا البلد أو ذاك، والتي قد تحول دون نشر بعض ما يتقدم به الكتّاب إليها من أعمال أدبية أو بحوث علمية ودراسات.
وهناك أسباب مادية أيضًا، مثل ارتفاع سعر الطباعة في بعض البلدان إلى مبالغ عالية التكلفة، مما يشكل عبئًا ماليًا على مؤلف الكتاب لا يستطيع القيام به.
وهذا بالتالي ما يجعل مثل هؤلاء الكتّاب يتأخرون في طباعة ونشر ما لديهم من كتب أو مخطوطات مهمة، ربما تبقى رهينة الأدراج لفترة طويلة من الزمن دون أن تجد من يتبناها ويقوم بطباعتها ونشرها في الوقت المطلوب والمناسب.
«الصحافة أخذتني بعيدًا عن الأدب.. ثم عدت»
السؤال:
عشت بين لغة الصحافة التي تطارد الخبر، ولغة الأدب التي تتأمل ما وراءه؛ أيهما كشف لك حقيقة الإنسان أكثر، وهل خدمت الصحافة مشروعك الأدبي أم أخذت منه؟
الإجابة – حمد الرشيدي:
أكون غير صريح بما فيه الكفاية لو قلت إن الصحافة وعملي فيها لفترة طويلة من الزمن لم يأخذاني بعيدًا عن الشعر والأدب.
فبالرغم من استمتاعي بالصحافة كصحفي، خاصة في عصر الصحافة الورقية، وحبي لها واحترافي لها في بداية مشواري معها كمحرر صحفي بالقسم الثقافي لسنوات عدة منذ بداية عقد التسعينيات الميلادية، مثل عملي بجريدة «المسائية» التابعة لمؤسسة الجزيرة الصحفية بالرياض، وغيرها من الصحف والمجلات التي عملت فيها لاحقًا لسنين طويلة، فإن ذلك كان له بالتأكيد تأثير سلبي على إنتاجي الأدبي؛ لانشغالي عن الإبداع وصرف اهتمامي عنه للصحافة والعمل فيها.
وهنا، في هذه المرحلة تحديدًا من حياتي – فيما يبدو لي – أنني تحولت من مصدر للإبداع إلى «صحفي ناقل للثقافة» عبر الصحافة، بدلًا من أن أكون منتجًا له كشاعر أو أديب أو كاتب.
وهذا الأمر استمر معي سنوات طويلة من حياتي، لكن أعتقد حاليًا – وبعد أن تركت العمل الصحفي خلال السنوات الماضية – أني قد عدت مجددًا لحضن عالم الأدب والنقد والبحوث والدراسات.
و«العود أحمد» كما يقول المثل، ولعلي أكون موفقًا في ذلك إن شاء الله .




