المعلم: مشعل النور وباني العقول

✍️بدرية المليحي – كاتبة سعودية :
يقف العالم في الخامس من أكتوبر من كل عام وقفة إجلال وتقدير، نحو صانعي النهضات وراسمي معالم المستقبل؛ حيث تحتفل المدارس والمؤسسات التعليمية بـ “يوم المعلم العالمي”. إنه اليوم الذي يُسلّط فيه الضوء على ورثة الأنبياء وحملة مشاعل الهداية، أولئك الذين يحملون أمانة الكلمة ورسالة العلم، في رحلة دؤوبة لصناعة الإنسان وبناء الحضارات.
ليست التعليم مهنة كغيرها من المهن التي تنتهي بانتهاء ساعات العمل الإدارية؛ إنها رسالة وجودية وغاية سامية. المعلم هو الشخص الذي يقف يومياً أمام فئات متناغمة ومتفاوتة من الطلاب، يجمع بين اللين والحزم، والأبوة والقيادة، والحكمة والصبر. إنه يستنزف صوته وجسده وتفكيره ليصوغ من المعارف الجافة معاني حية تفهمها العقول وتستوعبها الأفئدة.
وقد أبدع الشاعر أمير الشعراء أحمد شوقي حينما لخص هذه المكانة الفريدة في بيته الشهير: “قُم لِلمُعَلِّمِ وَوَفِّهِ التَبجيلا … كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا”. إن التشبيه هنا لم يأتِ من فراغ؛ فالرسل بُعثوا ليعلموا الناس الخُلق والنور ويخرجوهُم من ظلمات الجهل إلى ضياء المعرفة، والمعلم يسير على الخطى ذاتها؛ يغرس الفضيلة، وينمي التفكير النقدي، ويصقل الشخصية، فيصنع من الطفل الصغير عالماً، ومفكراً، وقائداً، وطبيباً، ومهندساً يخدم أمة بأكملها.
إن ما يراه الطالب داخل الفصل الدراسي من شرح مبسط وابتسامة مشجعة لا يمثل سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. خلف هذا الأداء القوي يقف المعلم ساعات طويلة في التحضير والتخطيط، واختيار الأساليب التربوية الأنسب لكل طالب، ومراعاة الفروق الفردية، وتصحيح الواجبات والاختبارات، ومتابعة السلوك والتطور الأكاديمي. يتعب المعلم بصوته وهو يكرر المفاهيم حتى ترسخ، وتتعب روحه وهو يفكر في طريقة ينتشل بها طالباً من عثرته أو يلهم بها آخر ليفجر طاقاته المخبأة. إنه يتنازل عن وقته الخاص وصحته الذهنية ليضمن أن كل ذهن أمامه قد أضاءت فيه شعلة الفهم.
في ظل الطفرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي وتدفق المعلومات المتسارع، يتساءل البعض عن دور المعلم المستقبلي. والحقيقة التي لا شك فيها هي أن التكنولوجيا مهما تطورت، تبقى أدوات صماء لا روح فيها. المعلم ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومة—فالمعلومات متوفرة بكثرة على الشاشات—بل هو الموجه والمرشد الذي يعلم الطالب كيف يزن المعلومات ويميز الصواب من الخطأ، وهو المربي الملهم الذي يبث الأمل، ويزرع الثقة، ويمنح التعاطف والتشجيع الإنساني الذي لا يمكن لأي خوارزمية أن تقدمه، وهو القدوة الحسنة التي يستقي منها الطلاب القيم والأخلاق وطريقة التعامل مع الحياة والتحديات.
إن الاحتفال بيوم المعلم يجب ألا يقتصر على الكلمات الإنشائية والفعاليات الرمزية يوم الخامس من أكتوبر، بل يجب أن يترجم إلى منهج حياة ورؤية مجتمعية شاملة. ويتأتى ذلك من خلال التقدير المجتمعي والمعنوي وإعلاء مكانة المعلم في الإعلام والمجتمع والتعامل معه بمهابة واحترام تعيد للهيبة التربوية مكانتها، بالإضافة إلى تقديم الدعم المهني والتطوير وتوفير بيئة عمل محفزة وتقليل الأعباء الإدارية ليفرغ المعلم لرسالته الأساسية، فضلاً عن التمكين والدعم النفسي والاعتراف بحجم الضغوط التي يواجهها المعلم وتوفير بيئة داعمة تراعي صحته النفسية والمهنية.
في يوم المعلم، نبعث بأسمى آيات الشكر والامتنان لكل معلم ومعلمة شيدوا لبنة في جدار هذا الوطن، ولكل من ترك أثراً طيباً في نفس طالب، ولكل من أضاء شمعة في درب الجهل. إن الأُمم لا تقاس بثرواتها المادية أو مبانيها الشاهقة فحسب، بل تُقاس بعقول أبنائها ومستوى تعليمهم، وخلف كل أمة عظيمة معلمون عظماء عملوا بصمت وإخلاص. تحية إجلال وتحية فخر لكل معلم جعل من صوته وجسده وتفكيره جسراً تعبر عليه الأجيال نحو المستقبل.
للتواصل : [email protected]



