كتاب الرأي

العمق الوجداني للنفس البشرية

         ✍️هناء الهجاري -كاتبة سعودية :

ليس كل إنسان نراه قاسيًا قد وُلد قاسيًا وليس كل من أخطأ في حق الآخرين كان يحمل الشر في داخله منذ البداية. فالنفس البشرية أعمق من أن تختصر في موقف وأكبر من أن نحكم عليها من خلال سلوك واحد أو مرحلة عابرة من الحياة. كثيرًا ما نلتقي أشخاصًا تبدو طباعهم صعبة وردود أفعالهم حادة وتصرفاتهم لا تمنح الآخرين فرصة للاقتراب منهم فنضعهم سريعًا في خانة الأشخاص السيئين دون أن نتساءل عما صنع هذه القسوة في داخلهم وما الذي مروا به حتى أصبحت بعض جراحهم سلوكًا وبعض خيباتهم طريقة تعامل وبعض مخاوفهم غضبًا وعنادًا.

خلف كل إنسان قصة لا نعرف تفاصيلها وخلف كل سلوك ظاهر مشاعر وتجارب وذكريات قد لا يراها أحد. قد يكون الإنسان الذي نراه سيئ الطباع حصيلة سنوات من الإهمال أو القسوة أو الرفض وربما نشأ في بيئة لم تعرف كيف تحتويه أو عاش طفولة لم يجد فيها الأمان الذي كان يحتاجه أو تعلم منذ صغره أن إظهار مشاعره ضعف وأن القسوة وسيلة لحماية نفسه. ومع مرور السنوات قد يعتاد الإنسان ما كان يؤلمه حتى يتحول الألم الذي لم يجد طريقه إلى العلاج إلى جزء من شخصيته وطريقة تعامله مع من حوله.

وهنا لا يعني فهمنا للإنسان أن نبرر أخطاءه فالأذى يظل أذى والخطأ يظل خطأ والإنسان مسؤول عن سلوكه واختياراته مهما كانت الظروف التي مر بها. لكن هناك فرق كبير بين أن نحاسب الإنسان على خطئه وبين أن نحكم على إنسانيته كلها من خلال خطئه. فقد يكون خلف الغضب خوف لم يُفهم وخلف القسوة احتياج لم يُلبَّ وخلف العناد تجربة جعلت صاحبها يخشى الانكسار وخلف الصمت كلمات كثيرة لم يجد الإنسان يومًا من يمنحه الأمان ليقولها.

ولعلنا لو غيرنا السؤال من لماذا هو هكذا إلى ماذا مر به حتى أصبح هكذا لاتسعت رؤيتنا للناس وأصبح حكمنا أكثر إنصافًا. فليس المقصود أن نبحث عن الأعذار لكل سلوك خاطئ وإنما أن نفهم الإنسان قبل أن نحكم عليه وأن ندرك أن بعض التصرفات قد تكون انعكاسًا لما عاشه الإنسان أكثر مما هي تعبير عن حقيقته كاملة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى طبيعة النفس البشرية وما تحمله من قابلية للخير والشر قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. فالنفس تحمل قابلية للخير كما تحمل قابلية للخطأ وما يحيط بالإنسان من تربية وبيئة وتجارب وأشخاص يترك أثره في تكوينه لكن الإنسان يظل قادرًا على مراجعة نفسه وتغيير ما يحتاج إلى تغيير.

وكم من إنسان تغير لأن أحدًا آمن بقدرته على التغيير وكم من شخص أخرج أجمل ما فيه عندما وجد من يحتويه بدل أن يدينه وكم من قلب بدا قاسيًا أمام الناس كان في داخله جانب طيب ينتظر من يمنحه فرصة ليظهر. أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يخبره بأنه سيئ فهو يعرف أخطاءه وربما يحمل فوق قلبه من اللوم ما يكفيه وإنما يحتاج إلى من يذكره بأن الخطأ لا يعني نهاية الطريق وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد متى امتلك الوعي والإرادة.

فالاحتواء من أرقى صور الإنسانية لكنه لا يعني الموافقة على الخطأ أو السماح بالأذى وإنما يعني أن نمنح الإنسان مساحة آمنة يرى فيها نفسه بصدق ويعرف مواضع ضعفه ويحاول إصلاحها دون أن يشعر أنه فقد قيمته بالكامل. فليس من الرحمة أن نترك الخطأ يتكرر كما أنه ليس من الرحمة أن نختصر الإنسان كله في أخطائه.

وفي الوقت نفسه فإن فهمنا لظروف الآخرين لا يعني أن نتنازل عن حدودنا أو نسمح لأحد بأن يؤذينا. هناك فرق بين أن نقول أفهم لماذا أصبحت هكذا وبين أن نقول لذلك يحق لك أن تؤذيني. فالإنسانية الحقيقية لا تلغي الحدود والرحمة لا تعني إلغاء الكرامة والتماس العذر لا يعني إسقاط المسؤولية.

وربما لو نظرنا إلى الناس بعمق أكبر لاكتشفنا أن بعض الذين نطلق عليهم أحكامًا قاسية كانوا يومًا أطفالًا يحتاجون إلى الاحتواء أو أشخاصًا مروا بتجارب لم نعرف عنها شيئًا أو قلوبًا أرهقتها الحياة حتى فقدت قدرتها على التعبير بطريقة سليمة. وليس كل ما يظهر على الإنسان هو كل الحقيقة فبعض القلوب تخفي خلف حدتها رقة لم تجد طريقها إلى الظهور وبعض الأرواح تخبئ خيرًا كثيرًا تحت طبقات من الألم.

إن العمق الوجداني للنفس البشرية يجعلنا أكثر رحمة في نظرتنا إلى الآخرين لا لأننا نبرر أخطاءهم وإنما لأننا ندرك أن الإنسان أعقد من صورة واحدة رسمناها عنه. وقد يكون من أجمل ما نقدمه لبعضنا أن نمنح الآخرين فرصة ليتغيروا وأن نتذكر أن الإنسان ليس نسخة ثابتة من ماضيه وأن من أخطأ اليوم قد يكون قادرًا على أن يصبح غدًا أفضل إذا وجد الوعي والاحتواء والإرادة.

وفي النهاية لا أحد منا يعرف القصة الكاملة للآخر ولا يعرف كم مرة قاوم شخص داخله ولا كم معركة خاضها بصمت ولا كم موقفًا جعله يفقد شيئًا من لطفه. لذلك ربما نحتاج أن نخفف أحكامنا قليلًا وأن نرى الإنسان قبل السلوك والقلب قبل الموقف والحكاية قبل الحكم.

ففي داخل كل إنسان جانب من الخير وقد لا يكون هذا الخير غائبًا وإنما مختبئًا خلف جرح قديم أو تربية قاسية أو تجربة لم تجد من يساعد صاحبها على تجاوزها. وربما تكون الإنسانية الحقيقية أن نرى هذا الجانب دون أن نغفل عن الخطأ وأن نمنح من يستحق فرصة وأن نضع الحدود حيث يجب وأن نؤمن بأن الإنسان مهما أثقلته الحياة يستطيع أن يعود إلى أجمل ما فيه.

فليس كل من قست ملامحه قاسي القلب وليس كل من أخطأ إنسانًا سيئًا وليس كل ما نراه من الآخرين هو حقيقتهم كاملة.

أحيانًا يحتاج الإنسان فقط إلى من ينظر إلى ما وراء سلوكه فيرى إنسانيته التي أخفتها الحياة طويلًا

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى