كتاب الرأي

لم أكتب يومًا عن أمي وأبي

        ✍️ماجد بن نواف – كاتب سعودي :

كنت في اجتماعٍ تطوعي أتحدث عن مرض الكلى، وعن تجربة عشتها وأؤمن أنها لن تضيع عند الله، مهما كان الألم الذي رافقها، ومهما بقيت تفاصيلها في الذاكرة.

كنت أتحدث عن التجربة وكأنني أروي قصة من الماضي، عن مرضٍ مررت به، وعن مرحلة غيّرت الكثير في حياتي.

لكن عندما عدت إلى المنزل، جلست مع نفسي قليلًا.

وسألت نفسي سؤالًا بسيطًا:

كيف تحدثت عن تجربتي كل هذا الوقت، ولم أكتب يومًا عن أمي وأبي؟

كيف كتبت عن الألم، ولم أكتب عن اليد التي امتدت إليّ في أشد لحظاتي؟

كيف تحدثت عن المرض، ولم أتحدث عن أمي التي لم تكتفِ بأن تقف إلى جواري، بل تبرعت لي بكليتها، وكانت بعد الله سببًا في نجاتي؟

أمي لم تكن جزءًا من قصة مرضي.

أمي كانت الجزء الذي أعاد لي الحياة.

كانت أمام أصعب قرار يمكن أن تواجهه أم، ومع ذلك لم تجعل الخوف يتقدم على حبها لابنها.

أما أبي، فكانت حكايته معي مختلفة.

كان حاضرًا في تفاصيل الرحلة، سندًا وداعمًا، يرافقني خطوة بخطوة. كان يستمع إليّ، يطمئنني، ويعيد إليّ هدوئي كلما أثقلتني الأيام.

كان أبي أشبه بطبيب نفسي بالنسبة لي؛ ليس لأنه يحمل شهادة في الطب، وإنما لأنه كان يعرف متى يتحدث، ومتى يستمع، ومتى يكتفي بأن يكون موجودًا.

وبعد أن عدت من ذلك الاجتماع، أدركت أنني ربما كنت أبحث عن قصة أرويها للناس، بينما كانت أعظم قصة في حياتي أمامي منذ البداية.

قصة أم أعطت ابنها من جسدها ليعيش.

وقصة أب أعطاه من صبره وقوته حتى يستطيع أن يكمل الطريق.

لهذا، إن تحدثت يومًا عن مرض الكلى، فلن أتحدث عنه باعتباره ألمًا فقط.

سأتحدث عن نعمةٍ علّمتني معنى الحياة، وعن أمٍ أنقذتني بعد الله، وعن أبٍ لم يسمح لي أن أواجه الطريق وحدي.

وربما تأخرت في الكتابة عنهما.

لكن بعض الكلمات، وإن تأخرت، تبقى واجبة.

إلى أمي وأبي:

هذه أول مرة أكتب عنكما كما ينبغي، وربما لن تكون الكلمات كافية، لكنها أقل ما أستطيع أن أقدمه أمام فضلٍ لن أنساه ما حييت.

اللهم احفظ أمي وأبي بحفظك، وأدمهما لي نعمةً لا تزول، وألبسهما ثوب الصحة والعافية، ولا تريني فيهما بأسًا يبكيني، واجزهما عني خير الجزاء.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى