كتاب الرأي

المال والسعادة معادلة لا تحسمها الأرقام

       ✍🏼 سمسمه السعيد – كاتبة سعودية :

في عالم أصبحت فيه الثروة واحدة من أبرز علامات النجاح يبرز سؤال يتجدد مع كل جيل ويأخذ أبعادا جديدة مع تغير أنماط الحياة هل يستطيع المال أن يشتري السعادة أم أن السعادة أكبر من أن تختصر في رصيد مصرفي وممتلكات وأرقام متزايدة٠

لم يعد المال في الحياة المعاصرة مجرد وسيلة لتوفير الاحتياجات الأساسية بل أصبح مرتبطا بمفهوم النجاح والاستقرار والقدرة على الاختيار فالمال يوفر المسكن والطعام والتعليم والرعاية الصحية ويمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة الظروف الطارئة كما يفتح أمامه فرصا قد لا تكون متاحة لمن يعيش تحت ضغط الاحتياج٠

ومن هذه الزاوية تبدو العلاقة بين المال والسعادة واضحة في جانب منها فالإنسان الذي يستطيع تأمين احتياجاته الأساسية يعيش عادة مساحة أكبر من الاستقرار ويملك قدرة أوسع على التخطيط للمستقبل بعيدا عن القلق المستمر بشأن ضروريات الحياة٠

لكن الصورة تتغير عندما يتحول المال من وسيلة إلى غاية فعندما يصبح جمع الثروة هدفا لا يتوقف عند حد معين قد يجد الإنسان نفسه داخل دائرة متواصلة من العمل والاستهلاك والمنافسة وكلما ارتفع دخله ارتفعت معه توقعاته ومسؤولياته ورغبته في الوصول إلى مستوى أعلى من الدخل المادي

وهنا تظهر المفارقة فزيادة المال قد تمنح الإنسان قدرة أكبر على شراء الأشياء لكنها لا تعني بالضرورة قدرته على شراء الوقت أو العلاقات أو الطمأنينة فالإنسان يستطيع أن يشتري منزلا فاخرا لكنه لا يستطيع أن يشتري شعورا حقيقيا بالانتماء ويستطيع أن يدفع ثمن أغلى الخدمات لكنه لا يستطيع أن يضمن لنفسه صحة دائمة أو علاقة صادقة أو صديقا يبقى إلى جانبه في أصعب الظروف٠

كما أن السعي المستمر وراء المال قد يأتي أحيانا على حساب أشياء أخرى لا تقل أهمية فالوقت الذي يقضيه الإنسان في العمل من أجل زيادة دخله هو وقت لا يمكن استعادته والعلاقة التي يهملها بسبب انشغاله المستمر قد تحتاج سنوات لإصلاحها والحياة التي يؤجل الاستمتاع بها من أجل المستقبل قد لا تمنحه فرصة للعيش فيها كما كان يتخيل

ومع ذلك فإن اعتبار المال عدوا للسعادة سيكون تصورا غير دقيق فالمال عندما يستخدم بطريقة متوازنة يستطيع أن يخفف كثيرا من أعباء الحياة وأن يمنح الإنسان حرية أكبر في اتخاذ قراراته كما يمكن أن يساعده على توفير حياة مستقرة لعائلته وتحقيق أهدافه ودعم الأشخاص والقضايا التي تهمه٠

لذلك فإن القضية لا تتعلق بالمال وحده وإنما بالمكان الذي يحتله المال في حياة الإنسان فإذا كان المال وسيلة تساعد الإنسان على بناء حياة متوازنة فإنه يؤدي وظيفة مهمة أما إذا أصبح هو الهدف الوحيد فقد يتحول إلى مصدر ضغط دائم يجعل الإنسان يطارد المزيد دون أن يشعر بالوصول

وتظهر هذه المفارقة في حياة كثير من الناس الذين يحققون نجاحا ماديا كبيرا ثم يكتشفون أن بعض الأشياء التي كانوا يبحثون عنها لم تكن موجودة في الأسواق أصلا فالسعادة المرتبطة بالعائلة والصداقة والذكريات والصحة والوقت والرضا الداخلي لا يمكن تحديد سعر لها ولا يمكن ضمان الحصول عليها بمجرد امتلاك المال٠

ومن هنا يمكن القول إن المال قادر على تحسين ظروف الحياة لكنه لا يستطيع أن يضمن للإنسان حياة سعيدة فالمال قد يشتري الراحة لكنه لا يشتري الطمأنينة وقد يشتري الترف لكنه لا يشتري الرضا وقد يفتح أبوابا كثيرة لكنه لا يستطيع أن يحدد للإنسان أي طريق يمنحه المعنى٠

والسؤال الأكثر أهمية ربما لا يكون هل المال يشتري السعادة وإنما كيف يستخدم الإنسان المال عندما يمتلكه وهل يتحول المال إلى وسيلة تمنحه حياة أفضل أم يصبح سببا في أن يؤجل حياته باستمرار بحثا عن المزيد٠

في النهاية لا توجد معادلة مالية تحدد مقدار السعادة التي يمكن أن يعيشها الإنسان فالثروة قد تكون جزءا من الحياة الجيدة لكنها ليست الحياة كلها والسعادة ليست نتيجة مباشرة لعدد الممتلكات أو حجم الحسابات وإنما نتيجة مجموعة واسعة من العوامل التي تشمل العلاقات الإنسانية والصحة والوقت والشعور بالأمان والقدرة على الاستمتاع بما يملكه الإنسان٠

وربما تكمن الحقيقة الأوضح في أن المال يستطيع أن يجعل الحياة أسهل لكنه لا يستطيع أن يعيشها نيابة عن الإنسان وأن امتلاك المزيد لا يعني دائما الشعور بالمزيد وأن الثروة الحقيقية لا تقاس فقط بما يستطيع الإنسان أن يشتريه وإنما بما يستطيع أن يحافظ عليه من وقت وصحة وعلاقات وذكريات وطمأنينة

فقد يملك الإنسان كثيرا من المال ولا يجد ما يمنحه السعادة وقد يملك القليل ويجد في حياته ما يجعلها غنية بالمعنى٠

وفي النهاية يبقى المال وسيلة مهمة للحياة لكنه لا يستطيع أن يكون بديلا عن الحياة نفسها ٠

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى