علي الجميعة.. رجل غاب عن العين وبقي في المكان

✍️أ. د . محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة الملك سعود :
حين تمتزج الكفاءة الوطنية بالمسؤولية الانسانية، تولد أسماء تصبح بمرور الوقت رموزا ومراجع في العطاء. وكثيرة هي العناوين التي تطلق على الكبار، لكن لقب «جامعة الانسانية» ظل الاقرب الى وصف مسيرة الراحل الشيخ علي بن محمد الجميعة، الذي تجاوز في عطائه حدود المجال الذي عرف فيه، ليصبح حضوره جزءا من الذاكرة الاجتماعية والتنموية في حائل ووطننا الغالي.
وفي جغرافيا الكرم الانساني، تأتي سيرة الشيخ الجميعة في مقدمة السير الملهمة. فلم يقتصر اثره الممتد لاكثر من سبعة عقود على المشهد الاقتصادي والتنموي، بل تجسدت قيمته الحقيقية في انحيازه الدائم للعمل الخيري، وتلمسه المستمر لاحتياجات مجتمعه واهله، وحرصه على ان يكون حاضرا حيث تكون هناك حاجة الى موقف او مبادرة او دعم.
ولعل شخصيتة رحمه الله كانت تظهر في التفاصيل قبل المواقف الكبيرة. فقد كان، رغم تقدمه في السن، يقوم على خدمة ضيوفه بنفسه، ويستقبلهم في مزرعتيه العزيزية والمسرة بعفوية لا تعرف التكلف. ولم تكن مكانته الاجتماعية بالنسبة اليه حاجزا بينه وبين الناس، بل كان التواضع جزءا من حضوره، وكان اكرام الضيف امتدادا طبيعيا لعلاقته بالمجتمع. وفي تلك المجالس اجتمعت وجوه من حائل وخارجها، من اهل العلم والعمل والادارة والاقتصاد والمناصب واصحاب السمو والامراء كل في مجال تخصصه، فكان المجلس مساحة للتعارف والحوار واستقبال الناس، كما كانت مزارعه امتدادا لبيته المفتوح.
ومن هذه الشخصية يمكن فهم علاقته بالتنمية. لم يكن الشيخ علي ينظر الى التنمية باعتبارها مباني ومشروعات فقط، ولا الى دوره باعتباره دعما ماليا لمبادرات متفرقة. كانت رؤيته تقوم على ان التنمية تبدأ من الانسان، وان بناء قدراته، ودعم علمه، وفتح فرص التدريب امامه، وتقوية المؤسسات التي تخدمه، كلها اجزاء من عملية تنموية واحدة.
ولهذا اتسع نطاق مشاركته لناديين متنافسين في منطقة واحدة، فدعم ناديي الجبلين والطائي وقرب وجهات النظر، واسهم في بناء الغرفة التجارية، وساعد في تأمين مبنى لمستشفى متخصص بالمنطقة، وساند البرامج العلمية والمؤتمرات والندوات وبرامج التدريب. وقد تبدو هذه المجالات متباعدة، لكنها كانت تلتقي في ذهنه عند فكرة واحدة، هي ان المجتمع لا ينمو في اتجاه واحد، وان الرياضة والتعليم والصحة والتجارة والتدريب جميعها مكونات في بناء مجتمع اكثر قدرة على العمل والحياة.
وكان شعاره «شارك وإدعم» يلخص كثيرا من هذه الرؤية. لم يكن يرى ضرورة ان يكون صاحب كل مشروع حتى يكون جزءا من نجاحه، ولم يكن يبحث عن موقع متقدم في الصورة بقدر ما كان يهتم بأن يتحرك المشروع في الاتجاه الصحيح. فربما كانت المشاركة دعما ماليا، وربما كانت موقفا، وربما كانت فتح باب او تسهيل لقاء او مساندة صاحب فكرة. وفي كل الحالات كان حاضرا بروح الداعم الذي يريد للمشروع ان ينجح، لا ان يرتبط نجاحه بشخصه.
ومن هنا كانت علاقته بالتنمية تتجاوز حدود حائل، رغم ان حائل ظلت مركز حضوره وذاكرته واهتمامه. كان يرى ان خدمة المنطقة ليست بديلا عن خدمة الوطن، بل صورة من صورها. ولذلك شارك ودعم العلم والمؤتمرات والندوات وبرامج التدريب وكل ما رأى فيه اسهاما في تنمية الانسان والمؤسسة. وهذه النظرة هي التي جعلت اثره يتجاوز النشاط الاقتصادي الى المجال الاجتماعي والثقافي والتنموي.
كان يؤمن، في جوهر هذه الرؤية، بأن التنمية مسؤولية مشتركة. فالدولة تضع السياسات وتنفذ المشروعات، والمؤسسات تؤدي ادوارها، والقطاع الخاص يمتلك القدرة على الاسهام، والمجتمع يملك الخبرة والاحتياج والقدرة على المبادرة. وبين هذه الاطراف تأتي قيمة الشخص الذي يعرف كيف يصل بينها، وكيف يقدم الدعم في اللحظة المناسبة، وكيف يحول علاقاته ومكانته الى منفعة عامة.
ونالت منه الجمعية السعودية للعلوم الزراعية بجتمعة الملك سعود جانب دعم مالي ومعنوي … ومن هنا يصبح فهم شخصية علي الجميعة اكثر وضوحا، لأنه لم يكن العطاء عنده فعلا منفصلا عن حياته اليومية، بل كان جزءا من طريقته في النظر الى الناس. كما كان يكرم ضيفه في مجلسه، كان يكرم الفكرة الجيدة بدعمها. وكما كان يفتح مزرعته للناس، كان يفتح المجال للمبادرات التي يعتقد انها تستحق فرصة. ولهذا ارتبط اسمه لدى كثيرين بالمساندة اكثر من ارتباطه بمجرد الحضور.
وكان ابنه الوفي زياد قريبا من هذه المسيرة الى درجة جعلت حضوره جزءا من صورة والده. لم يكن مجرد ابن يرافق والده، بل كان توأما له في العمل وظله في مسيرة التنمية. كان معه في العزيزية والمسرة، وفي المؤتمرات والندوات، وفي استقبال ضيوف حائل، وفي تفاصيل العمل التي لا تظهر في العناوين، لكنها تبني مع الزمن علاقة الرجل بالمكان والناس.
ولهذا كان رحيل زياد بعد والده مباشرة موجعا على نحو خاص. فقدت الاسرة ابنا بعد الاب، وكان فهد امام فقدين متتابعين، بينما بقي على الاسرة ان تحمل الذاكرة وتواصل الطريق وتتحمل وصية الأب، وان كان الفقد موجع في هذه المرة لا لانه يعني غياب شخصين فقط، بل غياب حضور اعتادته حائل في مجالسها ومناسباتها وفي كثير من تفاصيلها الاجتماعية والتنموية.
واليوم يحمل وليد ومحمد، ابنا الشيخ علي، الراية. وليس المقصود بالراية هنا مجرد استمرار الاسم، بل استمرار ما يمكن ان ينتقل من جيل الى آخر من قيم التواضع والكرم والمبادرة والمشاركة ودعم العلم وخدمة المجتمع. فلكل جيل وسائله وظروفه، لكن القيم التي صنعت سيرة الاب تبقى مرجعا اخلاقيا وانسانيا للابناء.
ولم ينسى دوره الابوي والانساني كرافد علم في اسرته ووقفه فقد دعم حصول ابنة زياد الكبرى على الدكتوراة ويسر لها سبل التعلم وازال المعوقات لتحمل د/ لواوة بنت زياد لواء التعليم الاكاديمي بالاسرة، وكان له اثر في دعم جامعة حائل بكرسي بحثي وعلمي في حائل
وحين نستعيد سيرة علي الجميعة اليوم، فإن القيمة ليست في تعداد ما قدمه بقدر ما هي في قراءة المنهج الذي حكم هذا العطاء. كان يرى في المال وسيلة، وفي المكانة مسؤولية، وفي العلاقات جسورا، وفي التنمية شراكة، وفي خدمة حائل امتدادا لخدمة الوطن.
ولهذا لم يستطع الرحيل ان يمحو اثره. بقيت العزيزية والمسرة في ذاكرة من عرفوه، وبقيت المجالس والضيوف، وبقيت مواقف الدعم والمشاركة، وبقيت المؤسسات والمبادرات التي وقف معها، وبقيت في الاسرة سيرة يتناقلها الابناء والاحفاد.
رحم الله الشيخ علي الجميعة ورحم الله زياد، وحفظ ابناءه وذريته. غابا عن العين، لكنهما بقيا في المكان، وبقيت سيرتهما شاهدة على معنى العطاء حين يتحول من فعل فردي الى ثقافة، ومن مبادرة عابرة الى اثر، ومن حب للمكان الى مسؤولية تجاه الوطن.
وهذا هو الارث العظيم الذي لا يطويه الغياب
للتواصل : [email protected]



