كتاب الرأي

مكة والمدينة.. حرمة المقدسات فوق حسابات الصراع

       ✍️ طه حسن سالم – كاتب رأي :

في منطقةٍ تشهد منذ سنوات صراعات متشابكة وتوترات متصاعدة، تظل مكة المكرمة والمدينة المنورة حاضرتين في وجدان المسلمين باعتبارهما من أقدس الأماكن الإسلامية. وفي الوقت الذي تتسع فيه دائرة المواجهات العسكرية، تزداد أهمية التأكيد على أن للمقدسات حرمة ينبغي أن تظل بعيدة عن حسابات الصراع.

وفي الأيام الأخيرة، أثارت تقارير عن اعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة اهتمامًا واسعًا، بعدما أعلنت السلطات السعودية أن الطائرة أُطلقت من جانب جماعة الحوثي
ومع كل ما يحدث، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لجماعة ترفع شعارات دينية، وتعلن في خطابها أنها تقاوم قوى كبرى وتردد شعارات مناهضة للولايات المتحدة، أن يرتبط اسمها في الوقت نفسه بهجمات تقول السلطات السعودية إنها انطلقت من جانبها باتجاه محيط مكة؟
فمكة ليست مجرد مدينة، والكعبة المشرفة ليست مجرد معلم ديني؛ إنها قبلة المسلمين، وإليها تتجه صلواتهم، ومنها يستمد الحج والعمرة جانبًا أساسيًا من معانيهما الروحية. وكذلك المدينة المنورة، بما تضمه من المسجد النبوي وما تمثله من ارتباط وثيق بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتاريخ الإسلام.

ومن هذا المنطلق، فإن حماية المقدسات واحترام حرمتها ينبغي أن تكون قيمة يتفق عليها الجميع، بصرف النظر عن المواقف السياسية أو الخلافات الإقليمية.

وقد تتعدد الأطراف في أي نزاع، وتتباين الروايات حول المسؤولية والأهداف والملابسات، لكن استخدام الخطاب الديني لا ينبغي أن يكون مبررًا لاستهداف المدنيين أو تعريض الأماكن المقدسة للخطر. كما أن الخلاف السياسي، مهما اشتد، لا يلغي ضرورة احترام القواعد التي تحمي حياة الإنسان والأماكن ذات المكانة الدينية والإنسانية.

إن الإسلام، في وجدان أتباعه، يرتبط بحرمة البيت الحرام وتعظيم الشعائر، ولذلك فإن أي عمل يهدد أمن مكة أو المدينة يترك أثرًا يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، ويمس مشاعر المسلمين الذين يرون في هاتين المدينتين جزءًا أساسيًا من هويتهم الدينية والروحية.

وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه القضية يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية في الخطاب؛ فلا ينبغي أن تتحول قدسية المكان إلى مادة للتحريض أو الكراهية، ولا أن تُستخدم المشاعر الدينية لتوسيع دائرة الصراع. فالمطلوب هو حماية المقدسات، وحماية المدنيين، والتمسك بمبادئ احترام الأديان وحرمة الأماكن الدينية، مهما كانت طبيعة الخلافات القائمة.

ولعل مكة نفسها تقدم صورة مختلفة تمامًا عن منطق الحرب. ففي مواسم الحج والعمرة يلتقي المسلمون من مختلف البلدان واللغات والأعراق حول قبلة واحدة، ويؤدون عباداتهم في مكان واحد، في مشهد يجسد معنى الوحدة الإنسانية والدينية بصورة تتجاوز الحدود السياسية.

وهنا تكمن الرسالة الأهم: يمكن للدول والجماعات أن تختلف، ويمكن أن تتباين المواقف السياسية، لكن ينبغي أن تبقى هناك خطوط لا تُمس، وفي مقدمتها حياة المدنيين وحرمة الأماكن المقدسة.

إن العالم الذي أنهكته الحروب يحتاج إلى حماية ما تبقى من مساحات تجمع البشر بدل أن تفرقهم. ومكة والمدينة، بما تحملانه من مكانة استثنائية لدى المسلمين، يمكن أن تكونا رمزًا لهذا المعنى: أماكن للعبادة والسكينة، وليستا ساحات للصراع.

قد تتغير التحالفات، وتتبدل خرائط السياسة، وتنتهي حروب وتبدأ أخرى، لكن مكانة مكة والمدينة في قلوب المسلمين لا تتغير.

ولهذا فإن احترام حرمة المسجد الحرام والمسجد النبوي ينبغي أن يبقى مبدأً ثابتًا، لا يرتبط بموقف سياسي ولا يتغير بتغير أطراف النزاع.

وفي زمن ترتفع فيه أصوات السلاح، تظل الرسالة الأكثر حاجة إليها هي أن المقدسات يجب أن تبقى آمنة، والمدنيين يجب أن يكونوا بعيدين عن الخطر، وأن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لانتهاك ما يجتمعون على احترامه.

فمكة مكان للعبادة، والمدينة موطن للسيرة والسكينة، وحرمتهما أكبر من أن تكونا جزءًا من حسابات الحرب.
ومن قلب المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين، يظل الدعاء حاضرًا قبل أي شيء:
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، واحفظ كل من يقيم على أرضها وكل من يأتي إليها حاجًا أو معتمرًا أو زائرًا، واحفظ مكة المكرمة والمدينة المنورة والمسجد الحرام والمسجد النبوي من كل سوء
هذه بلاد التوحيد، وفيها قبلة المسلمين، وإليها تتجه قلوبهم من كل مكان.
والانتصار الحقيقي للإسلام ليس في كثرة الصواريخ ولا في اتساع ساحات الحرب، وإنما في أن تبقى قيم الإسلام حاضرة: الرحمة، والعدل، وحفظ النفس، وتعظيم حرمات الله.
وإذا كان هناك من يسيء إلى الإسلام باسم الإسلام، فإن أفضل رد عليه هو أن نظهر للعالم الإسلام الذي نعرفه: دينًا يحفظ الدماء، ويعظم المقدسات، ويرفض أن تتحول بيوت الله إلى أهداف في صراعات البشر.

الخاتمة

اللهم احفظ بلاد الحرمين، واحفظ أمنها وأمانها، واحفظ قيادتها وشعبها وزوارها، وانصر الحق، وأبعد عن المسلمين الفتن والحروب، واكتب السلام والأمان لمكة والمدينة ولسائر بلاد المسلمين.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى