كتاب الرأي

كلما كبرت العقول زاد صمتها

✍️ العميد .م. ندى الخمعلي – كاتب سعودي :

كلما كبرت العقول زاد صمتها، وكلما صغرت العقول زاد صوتها، فليس ارتفاع الصوت دليلًا على قوة الحجة، ولا كثرة الكلام دليلًا على عمق الفكر. الإنسان الواعي يعرف أن لكل كلمة وزنًا، وأن بعض المواقف لا تحتاج إلى رد، وبعض النقاشات لا تستحق أن نخوضها مهما ارتفعت أصوات أصحابها.

العقل الكبير لا يبحث عن الانتصار في كل حوار، ولا يسعى إلى إثبات ذاته في كل مجلس، لأنه يدرك أن الحكمة أحيانًا تكمن في الصمت، وأن احترام الآخرين لا يعني بالضرورة الاتفاق معهم. لذلك يصغي أكثر مما يتحدث، ويفكر قبل أن يجيب، ويختار كلماته بعناية حتى لا تتحول الكلمة إلى جرح أو خلاف لا مبرر له.

أما حين يضيق الفكر، فقد يتحول الصوت إلى وسيلة لتعويض ضعف الحجة، ويصبح الجدال غاية بحد ذاته. وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل تمنح الجميع مساحة للتعبير، أصبح من المهم أن نفرق بين حرية الحديث وبين قيمة ما نقول؛ فليست كل كلمة تستحق أن تقال، وليست كل معركة تستحق أن نخوضها.

الصمت ليس دائمًا حكمة، كما أن الصوت ليس دائمًا جهلاً؛ فهناك صمت نابع من النضج، وصمت سببه العجز، وهناك صوت يحمل علمًا وفكرًا، وصوت لا يحمل سوى الضجيج. والمقياس الحقيقي هو مضمون الكلام، وأسلوب صاحبه، وقدرته على احترام عقول الآخرين.

لقد أصبح الهدوء في زمن الضجيج قوة، وأصبح التفكير قبل الحديث علامة على النضج. فالعقول الكبيرة لا تحتاج إلى رفع الصوت كي تُسمع، ولا إلى كثرة الظهور كي تثبت وجودها؛ يكفيها أن تترك أثرًا طيبًا وفكرة نافعة وكلمة في مكانها.

وفي النهاية، ليست العبرة بمن يتحدث أكثر، وإنما بمن يقول ما يستحق أن يُسمع. فالكلمات الكثيرة قد تصنع ضجيجًا، أما الكلمة الواعية فقد تصنع فرقًا.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى