نظام الدوام التبادلي.. نحو مرونة وظيفية تفتح فرصاً جديدة للتوظيف وتدعم استقرار الأسرة
مقترح وطني لدراسة تقسيم أيام العمل وتبادل الموظفين في الوظائف والتخصصات المتشابهة

✍️د. عصام عبدالقادر الرحالي – أكاديمي وكاتب سعودي :
في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل، والحاجة إلى الاستفادة القصوى من الكفاءات الوطنية، وفتح مجالات جديدة أمام الباحثين عن العمل، تبرز أهمية دراسة نماذج حديثة ومرنة لتنظيم الدوام، بما يحقق التوازن بين احتياجات المنشآت، وكفاءة الموظفين، والاستقرار الأسري، وتوسيع فرص التدريب والتوظيف.
ومن هنا يأتي مقترح «نظام الدوام التبادلي»، وهو نموذج يمكن دراسته وتطبيقه بصورة تجريبية في بعض القطاعات والوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك، بحيث يتم توزيع أيام العمل بين موظفين أو أكثر في الوظيفة نفسها أو الوظائف المتقاربة، مع المحافظة على جودة الأداء واستمرارية الخدمة.
الفكرة باختصار
بدلاً من أن تشغل وظيفة واحدة موظفاً واحداً طوال أيام الأسبوع، يمكن – وفق ضوابط واضحة وبعد دراسة طبيعة كل قطاع – تقسيم أيام العمل بين موظفين مؤهلين.
فعلى سبيل المثال:
* الموظف الأول: يعمل 3 أيام أسبوعياً.
* الموظف الثاني: يعمل يومين أو 3 أيام وفق النموذج المعتمد.
* يتم تبادل الأيام بين الموظفين وفق جدول مسبق.
* يمكن أن يعمل النموذج بنظام 3 + 2 أو 3 + 3 أو غيره بحسب طبيعة العمل.
* يحصل كل موظف على استحقاقاته المالية والمزايا الوظيفية بما يتناسب مع نسبة العمل الفعلية والنظام المعتمد، مع إمكانية تصميم حوافز ومزايا خاصة وفق اللوائح.
وبذلك لا يكون الهدف مجرد تقليل ساعات العمل، وإنما إعادة توزيع الفرص الوظيفية بصورة أكثر مرونة وكفاءة.
ماذا عن المديرين والوظائف الإشرافية؟
يمكن دراسة تطبيق النموذج أيضاً على بعض الوظائف الإدارية والإشرافية التي تسمح طبيعتها بذلك، بحيث يتم توزيع المهام والمسؤوليات بين مديرين أو قيادات مساندة وفق نظام واضح، مثل يومين أو ثلاثة أيام لكل مسؤول، مع وجود آلية دقيقة لتسليم واستلام المهام، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات.
وهذا يتطلب أن تكون الوظائف التي يمكن تطبيق النظام عليها محددة مسبقاً، وألا يؤدي التقسيم إلى تعطيل القرار أو انخفاض مستوى الخدمة.
المرأة والأسرة.. محور أساسي في المرونة الوظيفية
من أهم الجوانب التي يمكن أن يحققها هذا النموذج زيادة المرونة للمرأة العاملة، خصوصاً في الوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك.
فيمكن دراسة منح خيارات عمل مرنة للنساء، بما في ذلك تقليل عدد أيام أو ساعات الدوام الأسبوعية في بعض الوظائف، وفق ضوابط تضمن عدم الإخلال بالإنتاجية وحقوق الموظفة.
وقد يساعد ذلك على:
* زيادة الوقت المتاح لتربية الأبناء.
* تعزيز الاستقرار الأسري.
* تخفيف الضغوط الناتجة عن الجمع بين العمل والمسؤوليات المنزلية.
* توفير خيارات وظيفية أكثر ملاءمة للأمهات.
* المحافظة على الكفاءات النسائية وعدم خروجها من سوق العمل بسبب صعوبة التوفيق بين الأسرة والعمل.
فرصة لزيادة عدد المستفيدين من الوظيفة الواحدة
الفكرة الأساسية هنا هي الانتقال من مفهوم:
«وظيفة واحدة = موظف واحد»
إلى إمكانية دراسة نموذج:
«وظيفة واحدة = أكثر من موظف مؤهل بالتناوب»
عندما تكون طبيعة الوظيفة والأنظمة تسمح بذلك.
وهذا قد يفتح المجال أمام عدد أكبر من المؤهلين للحصول على خبرة عملية ودخل وفرصة للتطور المهني، بدلاً من بقاء أعداد من الخريجين والمؤهلين في قوائم الانتظار لفترات طويلة.
الخبرة والتدريب.. موظف متعدد المهارات
يمكن ربط نظام الدوام التبادلي ببرامج تدريبية منظمة، بحيث لا يقتصر دور الموظف على تخصص واحد فقط، وإنما يحصل – وفق احتياجات الجهة – على تدريب يؤهله للعمل في وظيفة أخرى ذات صلة.
فعلى سبيل المثال، يمكن لموظف متخصص في مجال معين أن يحصل على تدريب في مجال قريب منه، مما يرفع من:
تعدد المهارات + الخبرة العملية + المرونة الوظيفية + قابلية التنقل بين الوظائف.
وهذا يساعد المؤسسات كذلك على سد الثغرات المفاجئة الناتجة عن الإجازات أو التقاعد أو الاستقالات أو الحاجة المؤقتة إلى موظفين في تخصصات معينة.
التبادل الوظيفي بين الموظفين
يمكن إنشاء نظام داخلي يسمح بالتبادل المنظم بين موظفين مؤهلين في الوظيفة نفسها أو في وظائف متقاربة، بشرط:
1. توافق المؤهلات.
2. اجتياز التدريب المطلوب.
3. موافقة الجهة المختصة.
4. عدم التأثير على جودة الخدمة.
5. وجود سجل واضح للمهام والمسؤوليات.
6. قياس الأداء بصورة مستمرة.
وبذلك يصبح الموظف أكثر قدرة على التعامل مع أكثر من مسار وظيفي، وتصبح المؤسسة أكثر مرونة في توزيع مواردها البشرية.
نموذج يمكن تجربته قبل تعميمه
لا ينبغي أن يبدأ تطبيق هذا المقترح بصورة شاملة ومباشرة، بل يمكن إنشاء برامج تجريبية Pilot Programs في قطاعات مختارة، ثم قياس النتائج قبل التوسع.
ومن أهم مؤشرات القياس:
* إنتاجية الموظف.
* جودة الخدمة.
* رضا المستفيدين.
* رضا الموظفين.
* التكلفة التشغيلية.
* مستوى الغياب.
* معدلات الاستقالة.
* أثر النظام على الأسرة.
* عدد الفرص الوظيفية التي أتاحها النموذج.
* مدى نجاح التدريب والتبادل الوظيفي.
وبناءً على النتائج يمكن تطوير النموذج أو تعديله أو توسيعه.
الاستحقاقات المالية والامتيازات
من المهم التأكيد أن تقسيم أيام العمل لا يعني بالضرورة إلغاء الحقوق أو الامتيازات، وإنما يتطلب إعادة تنظيمها وفق إطار نظامي واضح.
فيمكن دراسة نماذج متعددة، منها:
النموذج الأول:
استحقاق مالي يتناسب مع أيام وساعات العمل الفعلية.
النموذج الثاني:
راتب أساسي وفق نسبة العمل، مع المحافظة على المزايا التي تسمح بها الأنظمة.
النموذج الثالث:
نظام مرن يجمع بين الراتب والحوافز المرتبطة بالإنتاجية والأداء.
ويجب أن تكون جميع هذه النماذج خاضعة للأنظمة واللوائح المعمول بها، بما يحفظ حقوق الموظفين وأصحاب العمل على حد سواء.
من الانتظار الوظيفي إلى «الفرصة الوظيفية»
إن أحد الأهداف المهمة للمقترح هو إعادة التفكير في مشكلة الانتظار الطويل للباحثين عن العمل.
فبدلاً من انتظار وظيفة تقليدية بدوام كامل، يمكن أن تتاح لبعض المؤهلين فرص:
دوام جزئي + تدريب + خبرة + تأهيل + انتقال وظيفي + إمكانية التطور إلى دوام كامل.
وقد تكون هذه البداية أفضل من بقاء الخريج سنوات خارج سوق العمل دون خبرة عملية.
مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص
نجاح هذا النموذج يحتاج إلى تعاون بين الجهات التنظيمية والقطاعات الحكومية والخاصة والجامعات ومؤسسات التدريب.
ويمكن أن تتولى الجهات المختصة دراسة:
* الوظائف القابلة للتقسيم.
* التخصصات الأكثر احتياجاً.
* أعداد الباحثين عن العمل.
* برامج التدريب المرتبطة بالوظائف.
* الضوابط النظامية.
* التأمينات والمزايا الوظيفية.
* آليات احتساب الأجور.
* أنظمة تقييم الأداء.
* آليات الانتقال من الدوام الجزئي إلى الكامل.
رؤية مستقبلية
قد لا يكون الحل في زيادة عدد الوظائف التقليدية فقط، وإنما في إعادة تصميم الوظيفة نفسها بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل الجديد.
فالوظيفة المستقبلية قد تكون أكثر مرونة، والموظف قد يكون أكثر من مجرد شاغل لوظيفة واحدة؛ بل يمكن أن يكون موظفاً متعدد المهارات، قابلاً للتدريب والتبادل والتنقل بين مهام متقاربة.
وهنا يمكن أن تتحول المرونة الوظيفية من مجرد خيار فردي إلى أداة لتنمية الموارد البشرية ورفع الإنتاجية وفتح فرص جديدة أمام المؤهلين.
رسالة إلى الجهات المعنية
إنني أطرح هذا المقترح للدراسة والنقاش أمام الجهات الحكومية والتنظيمية، وقطاع الأعمال، والجامعات، ومؤسسات التدريب والتوظيف، تحت عنوان:
«الدوام التبادلي والمرونة الوظيفية.. نحو فرص عمل أكثر، وأسرة أكثر استقراراً، وموارد بشرية أكثر كفاءة»
والمطلوب ليس استبدال نظام العمل الحالي، وإنما دراسة إمكانية إيجاد مسار إضافي مرن لبعض الوظائف والقطاعات التي تسمح طبيعتها بذلك.
فكل ساعة عمل يمكن تنظيمها بصورة أفضل، وكل موظف يمكن تطوير مهاراته، وكل خريج مؤهل يمكن منحه فرصة لاكتساب الخبرة، قد يمثل إضافة حقيقية إلى الاقتصاد الوطني.
والهدف النهائي هو بناء سوق عمل أكثر مرونة، يوازن بين حقوق العامل، ومصلحة المنشأة، واحتياجات الأسرة، ومتطلبات التنمية، وفتح أبواب التدريب والتوظيف أمام الكفاءات الوطنية.
للتواصل : [email protected]



