العنصرية الناعمة

✍️ خضرالثقفي – كاتب سعودي :
*ما هي العنصرية؟*
العنصرية ليست فقط أن تكره شخصاً بسبب لونه أو قبيلته أو جنسيته. العنصرية في أصلها هي شعور مريض بالتفوق، يرى صاحبه أنه أفضل من غيره، وأن رأيه هو الحق المطلق، وأن الآخرين أقل فهماً أو مكانة أو حقاً في الكلام.
العنصرية تبدأ فكرة في القلب: “أنا خير منه”، وتنتهي سلوكاً: “لا مكان لك بيننا”.
والله عز وجل لخصها منذ أول جريمة عنصرية في التاريخ، حين قال إبليس: *”أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين”* فكانت أول عنصرية هي عنصرية إبليس.
كيف يمارسها بعض الأشخاص اليوم؟
العنصرية اليوم لم تعد بالسياط، بل أصبحت تمارس بأساليب ناعمة وخبيثة:
*1- عنصرية الإقصاء:* أنا لا أشتمك، لكني أتجاهلك. لا أرد على فكرتك، لا أعطيك فرصة للكلام، أحذف تعليقك، وأبقي تعليقات من يوافقني. أجعلك تشعر أنك غير موجود.
*2- عنصرية التصنيف:* هذا من جماعتنا فنرفعه ولو كان قوله ضعيفاً، وهذا ليس من جماعتنا فنحط من قدره ولو كان قوله حقاً. نحكم على الفكرة من صاحبها، لا على صاحبها من فكرته.
*3- عنصرية الوصاية:* يمارسها من يظن أنه يفهم أكثر من الجميع، فيقول بلسان حاله ومقاله: *”ما أريكم إلا ما أرى”*. كما قال فرعون. لا يؤمن بالآخرين، لا يؤمن أن هناك عقولاً تفكر غير عقله، ولا يؤمن بالحوار. هو يرى والباقي عميان.
عنصرية مدراء القروبات.. المرض الجديد
وهذا هو أخطر أنواع العنصرية المنتشرة اليوم في الواتساب والتليجرام.
بعض مدراء القروبات يظن أن زر “إضافة” و “إزالة” هو صك ملكية للعقول. يتحول القروب من مساحة للحوار إلى مزرعة خاصة:
– يحذف من يخالفه الرأي ويدّعي أنه يحافظ على “هدف القروب”.
– يسمح لنفسه بالسب والاستهزاء، فإذا رد عليه أحد قال: “احترموا قوانين القروب”.
– يكتم الأصوات ويبقي صوته وصوت المصفقين له فقط.
– لا يمارس الإدارة، بل يمارس الاستبداد. يدير القروب بعقلية الحارس، لا بعقلية القائد.
هذه ليست إدارة، هذه *ديكتاتورية مصغرة*. وصدق من قال: أعطِ الرجل صلاحية صغيرة لترى حقيقته.
المشكلة أن بعض هؤلاء لا يعرف الفرق بين النظام وقمع الرأي. النظام أن تمنع السب والشتم والخروج عن الموضوع، أما قمع الرأي أن تمنع أي فكرة لا تعجبك حتى لو كانت محترمة.
من لا يؤمن بالآخرين.. إلى متى؟
إلى متى ونحن نعيش بعقلية “أنا الصح وغيري خطأ”؟ إلى متى نردد *”ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”* ونحن أضعف ما نكون؟
الذي لا يؤمن بالآخرين هو في الحقيقة لا يثق بنفسه. يخاف أن يسمع فكرة أفضل من فكرته، فينكشف جهله. لذلك يغلق الباب.
المجتمعات لا تتقدم بالرأي الواحد، بل بالرأي والرأي الآخر. الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في المسجد أمام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقصِ أحد منهم أحداً. عمر بن الخطاب يقول: “رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي”.
القروب الناجح، والمجلس الناجح، والجمعية الناجحة، هي التي فيها:
– *حرية محترمة:* تتكلم باحترام وتسمع باحترام.
– *إدارة عادلة:* القانون على الجميع، المدير أول من يطبقه.
– *إيمان بالتنوع:* أن وجود المختلف يثريني، لا يهددني.
كلمة أخيرة
العنصرية ليست قوة، بل ضعف. والاستبداد بالرأي ليس حزماً، بل خوفاً.
إلى كل مدير قروب، وكل مسؤول، وكل من بيده صلاحية: تذكر أن الناس ليسوا قطيعاً تسوقه، بل عقولاً تحترمها فتحترمك. وإذا أردت أن يعظمك الناس فتواضع لهم، وإذا أردت أن يسمعوك فاسمعهم أولاً.
قال تعالى: *”ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك”*.
فلا تهدر وقتك في الشرح، كما قلت، فالناس لا يسمعون إلا ما يريدون سماعه.. لكن لا تكن أنت من هؤلاء الناس.
للتواصل : [email protected]



