من الفخر إلى الشغف كيف تستلهم نجاح الآخرين لتصنع نجاحك؟

✍️عائشه السبيعي -كاتبة سعودية :
أحيانًا لا يكون ما يزعجنا في حديث الآخرين هو الكلام نفسه، بقدر ما يكون الأثر الذي يتركه ذلك الكلام في داخلنا.
قد يجلس الإنسان في مجلس، ويستمع إلى شخص يتحدث عن إنجازاته، وشهاداته، وطموحاته، أو عن نجاحات أبنائه ومهاراتهم، وقد يتكرر الحديث عن ذلك أكثر من مرة، فيشعر بعض الحاضرين بالضيق، ويتساءلون في أنفسهم:
لماذا يكرر حديثه عن إنجازاته؟
ولماذا يتحدث عن نفسه بهذا القدر؟
لكن السؤال الأهم ربما لماذا يتحدث هو بهذه الطريقه ؟:
لقد
أزعجني أنا حديثه؟
ما الذي حرّك هذا الحديث في داخلي؟
هل شعرت أنه يتعالى عليّ؟
هل شعرت، ولو بصورة غير مباشرة، أنه يحاول أن يقول إنه أفضل مني؟
هل جعلني نجاحه أقارن نفسي به؟
هل ذكّرني بأشياء كنت أتمنى تحقيقها ولم أحققها بعد؟
هذه الأسئلة لا تعني أن كل حديث عن الإنجاز مبرر، ولا أن كل شخص يتحدث عن نجاحه يقصد الاستعراض؛ فالناس تختلف في أساليبها ودوافعها.
لكن ما يعنينا هنا هو كيف ندير نحن استجابتنا لما نسمع.
فليس من الحكمة أن نمنح حديث الآخرين قدرة على تعكير مزاجنا أو التقليل من تقديرنا لذواتنا.
والأجمل من ذلك أن نحول الموقف من مساحة للمقارنة إلى مساحة للتعلم.
فإذا كان أمامك شخص حقق إنجازًا، أو حصل على شهادة، أو قطع شوطًا في مجال تطمح إليه، فلماذا يكون السؤال الأول: «لماذا يكرر إنجازاته؟»
لماذا لا يكون السؤال:
«كيف وصل إلى ما وصل إليه؟»
ومن هنا يبدأ التحول من الفخر الذي يزعجك إلى التجربة التي تفيدك.
اسأل عن الطريق لا عن سبب الحديث
حين يتحدث شخص ما عن إنجازاته، تستطيع أن تتعامل مع حديثه بطريقتين.
الأولى أن تنشغل بتفسيره: لماذا يتحدث؟ ولماذا يكرر؟ وهل يريد أن يثبت أنه أفضل من غيره؟
والثانية أن تتجاوز كل ذلك وتسأل عن الشيء الذي تستطيع أن تستفيد منه.
قل له:
«ما التحديات التي واجهتك في تحقيق هذا الطموح؟»
واسأله:
«ما أصعب مرحلة مررت بها في هذه الرحلة؟»
ثم اسأله السؤال الذي قد يكون أكثر الأسئلة ثراءً:
«لو عدت إلى نقطة البداية، ما الشيء الذي كنت ستفعله بطريقة مختلفة؟»
هذا السؤال لا يستخرج من الشخص قائمة إنجازاته، بل يستخرج خلاصة تجربته.
فقد يكشف لك عن قرار أخطأ فيه، أو فرصة أحسن استثمارها، أو عقبة كادت أن توقفه، أو مهارة يتمنى لو تعلمها في وقت أبكر.
وهنا تتحول سنوات من التجربة إلى خبرة يمكن أن يستفيد منها كثيرون.
فما احتاج شخص إلى سنوات حتى يتعلمه، قد تختصره أنت في دقائق من حسن الاستماع والسؤال.
وهذه إحدى أجمل فوائد المجالس: أن تجلس إلى شخص سبقك في تجربة ما، فتأخذ من خبرته ما ينفعك، بدلًا من أن تنشغل بمقارنة نفسك به.
المجالس.. مدرسة لمن يحسن الاستماع
ليس المقصود من حضور المجالس أن يكون الإنسان مجرد مستمع لما يدور فيها، وإنما أن يكون متعلمًا لما يمكن أن تنقله إليه من خبرات وتجارب.
وقد وجّه القرآن الكريم إلى الرجوع إلى أهل المعرفة فيما لا نعلم، فقال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
النحل: 43.
فالإنسان لا يعرف كل شيء، ومن الحكمة أن يسأل من يملك العلم أو الخبرة فيما يجهله. ومن هذا الباب يمكن أن ننظر إلى مجالسنا أيضًا:
فقد يجلس أمامك شخص يمتلك تجربة أنت بحاجة إليها، فما الذي يمنعك من السؤال؟
قد يكون أمامك صاحب تجربة في التجارة، أو التعليم، أو الإدارة، أو الدراسة، أو تربية الأبناء، أو أي مجال من مجالات الحياة.
فبدلًا من أن تنشغل بطريقة حديثه، اسأل عن تجربته، وعن الصعوبات التي مر بها، وعن القرارات التي صنعت الفارق في مسيرته.
فالسؤال الجيد قد يحول مجلسًا عابرًا إلى درس لا يُنسى.
الحكمة التي تنتقل من تجربة إلى أخرى
ولعل هذا المعنى حاضر في تراثنا الأدبي أيضًا؛ فكتاب «كليلة ودمنة» لم يكن مجرد حكايات للتسلية، بل قام على نقل الحكم والتجارب والمعاني من خلال القصص والأمثال، حتى تصبح التجربة قابلة للانتقال من شخص إلى آخر ومن جيل إلى جيل.
والفكرة هنا أوسع من الكتاب نفسه: الإنسان يتعلم من تجارب غيره، إذا أحسن الاستماع إليها وفهمها واستخلاص العبرة منها.
فقد يعيش شخص تجربة كاملة، ثم تأتي أنت فتأخذ منها خلاصة نافعة في دقائق.
وهذا بالضبط ما يمكن أن تمنحنا إياه المجالس.
وقد يبدو حديث شخص عن إنجازاته طويلًا أو متكررًا، لكن خلف ذلك الحديث قد تكون هناك تفاصيل لا نعرفها:
سنوات من الدراسة، محاولات لم تنجح، قرارات صعبة، أشخاص أثروا في مسيرته،
فرص استثمرها، وأخطاء دفع ثمنها وتعلم منها.
فلماذا نكتفي برؤية النتيجة ونحرم أنفسنا من معرفة الطريق؟
من المقارنة إلى الاستلهام
المشكلة تبدأ عندما نرى نجاح الآخرين بوصفه مرآة نقيس بها أنفسنا.
إذا حصل شخص على شهادة، قلت: «أنا لم أحصل عليها».
وإذا نجح في مشروع، قلت: «لماذا لم أنجح مثله؟».
وإذا تحدث عن أبنائه، بدأت تقارن أبناءك بأبنائه.
وهكذا يتحول إنجاز الآخر من معلومة إلى تهديد نفسي.
لكن ماذا لو غيّرنا زاوية النظر؟
إذا رأيت شخصًا حقق شيئًا تتمنى تحقيقه، فبدلًا من أن تقول: «هو أفضل مني»، قل:
«إذن هذا ممكن، فكيف فعلها؟»
هذه الجملة البسيطة تنقل الإنسان من موقع المقارنة إلى موقع التعلم.
فنجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحك، كما أن تعثرهم لا يزيد من قيمتك.
لكل إنسان طريقه، وظروفه، وتوقيته، وتجربته.
مجالسنا.. فرص لاختصار الطريق
في عالم المعرفة اليوم، تقوم الندوات واللقاءات المهنية والعلمية على فكرة أساسية:
أن اجتماع أصحاب التجارب يفتح مجالًا لتبادل المعرفة، ومناقشة الأفكار، والاستفادة من الأخطاء والتجارب السابقة.
وهذا المعنى لا يقتصر على الجامعات أو المؤتمرات أو بيئات العمل؛
بل يمكن أن يبدأ من مجلس بسيط يجمع أشخاصًا مختلفين في أعمارهم وتجاربهم ومجالاتهم.
فقد تجلس إلى شخص سبقك بعشر سنوات في مجال معين، وتخرج من حديث نصف ساعة بمعلومة أو تجربة تختصر عليك وقتًا طويلًا.
وقد تسمع من شخص عن خطأ ارتكبه، فتتجنبه أنت.
وقد يخبرك عن قرار اتخذه، فتدرك شيئًا لم يكن ظاهرًا لك.
وقد تسأله:
«لو عدت إلى نقطة البداية، ما الشيء الذي كنت ستفعله بطريقة مختلفة؟»
فيجيبك بما يشبه خلاصة سنوات من حياته.
أليست هذه غنيمة؟
غنيمة الأذكياء
في النهاية، المجالس مليئة بالقصص والتجارب والفرص التي قد لا تتكرر.
وقد يخرج شخص من المجلس وهو يتذكر ما أزعجه من حديث أحدهم، بينما يخرج آخر وفي ذهنه فكرة جديدة، أو سؤال مهم، أو درس اختصر عليه طريقًا طويلًا.
والفرق بين الاثنين ليس بالضرورة في الكلام الذي سمعاه، وإنما في الطريقة التي استقبل بها كل واحد منهما ذلك الكلام.
لذلك، عندما تجلس إلى شخص يتحدث عن إنجازاته، لا تجعل أول سؤال في داخلك:
«لماذا يكرر إنجازاته؟»
بل اجعل سؤالك:
«كيف وصل؟ وماذا يمكنني أن أتعلم من تجربته؟»
ثم اسأله:
«ما التحديات التي واجهتك في تحقيق طموحك؟»
واسأله السؤال الأعمق:
«لو عدت إلى نقطة البداية، ما الشيء الذي كنت ستفعله بطريقة مختلفة؟»
فقد يحمل هذا السؤال وحده خلاصة سنوات من التجربة، ويمنحك من خبرة شخص آخر ما قد تحتاج أنت إلى سنوات حتى تكتشفه بنفسك.
لا تجعل نجاح الآخرين سببًا لانطفائك؛ اجعله نافذة ترى من خلالها إمكانات جديدة، ثم اصنع نجاحك بطريقتك.
للتواصل : [email protected]



