فلسفة المراسم السعودية: أين تقف “الأنا” أمام سيادة النص الوطني؟

✍️حسن المقصودي – كاتب رأي :
تحمل المناسبات الوطنية في المملكة العربية السعودية أبعاداً رمزية سيادية تتجاوز حدود الابتهاج البصري المجرد؛ فهي الانعكاس الحي لهوية الدولة، والترسيخ الصارم لثوابت بروتوكولية ومراسمية تُعبّر عن هيبة الحكم وتراتبية المقامات. إلا أن المتأمل في المشهد الاتصالي والإعلاني عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي مؤخراً، يرصد حالة من “الانحراف البروتوكولي” وتجاوزاً يتخطى مساحة الأخطاء العفوية، ليتحول إلى خروج موضوعي عن الامتثال التنظيمي السيادي، مدفوعاً بنزعات الاستعراض والبحث عن الوجاهة الشخصية أو الوظيفية أو الاجتماعية.
اختلال التراتبية في دوائر الاتصال والمشهد الاجتماعي
ولم يعد هذا الخلل حكراً على المنصات التجارية فحسب، بل أفرز نمطاً اتصالياً مشوهاً برز بوضوح على مسارين؛ الأول: في المواد الصادرة عن بعض دوائر الاتصال المؤسسي في إمارات مناطق، ومحافظات، وقطاعات حكومية تُبرز صور مسؤوليها أو المحافظين في صدارة التصاميم وبأحجام بصرية ضخمة.
والثاني: في تصاميم التهاني التي ينشرها بعض شيوخ القبائل والوجهاء، والذين يعمدون بجهل مخرجات البروتوكول إلى “حشو” صورهم الشخصية وإقحامها جنباً إلى جنب مع صور قادة البلاد والبعض تتصدر صورته النص مع تغييب شعار الدولة وصور القادة، في محاولة قسرية لتقاسم المساحة السيادية مع رموز الدولة، مع تذييل أو تهميش أسماء القيادة وشعار الدولة في أسفل المتن أو الزوايا الهامشية.
إن هذا السلوك لا يُصنّف كقصور في “الذوق الاتصالي” أو مجرد مباهاة عابرة، بل هو مخالفة مسلكية وإدارية صريحة لمفهوم “سيادة النص والهوية البصرية الموحدة للدولة”. فالأعراف المراسمية المستقرة تقتضي نظاماً ألا يعلو اسم، أو صورة، أو صفة فردية، أو وظيفة، أو مكانة اجتماعية وقبلية، فوق مقام وقامة الرموز السيادية. إن الوجاهة الاجتماعية أو الصفة الوظيفية لا يمكن أن تتحول بحال من الأحوال إلى مسوغ لتوظيف واستغلال المناسبات الوطنية لغرض الوجاهة وصناعة الهالة الشخصية على حساب هيبة الرموز السيادية.
أعراف المراسم السعودية: التراتبية البصرية لصور القادة
تقضي القواعد الصارمة للمراسم الملكية والبروتوكول السعودي المستقر بأنه لا يجوز إقحام أي صور شخصية تتصدر خطابات أو تصاميم أو لوحات التهاني بالمناسبات الوطنية سوى شعار الدولة الرسمي (السيفين والنخلة) ، متبوعاً بالتشكيل البصري الحصري والملزم لصور قادتها وفق ترتيب المراسم من منظور المشاهد:
١- صورة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود: وتوضع على يمين المشاهد لتُمثل الركيزة السيادية ومقام القيادة العليا المعاصرة للدولة
٢- صورة الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود —طيب الله ثراه—: وتتوسط المشهد كعنوان ومرجعية تاريخية ثابتة انطلقت منها هذه الوحدة المباركة.
٣- صورة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء —حفظه الله—: وتوضع على يسار المشاهد كامتداد للمستقبل والريادة.
إن هذه الهوية البصرية الهرمية القيادية مع شعار الدولة يُمثّل حصراً سيادياً بصرياً، وأي خروج عن هذه الهرمية بإقحام صور المسؤولين التنفيذيين ، أو المحافظين، أو شيوخ القبائل أو أي فرد لتقاسم المشهد مع قادة البلاد هو افتئات صريح على البروتوكول العام للدولة ومظاهرها السيادية.
المرجعيات النظامية: أحكام حاسمة وأطر ملزمة
إن فلسفة الدولة المعاصرة تترجم حرصاً بالغاً من لدن سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء —حفظه الله— على حماية وصون الهوية والرموز الوطنية من أي اجتهاد أو تمييع ولأجل ذلك أحاطت الأنظمة هذه المظاهر بسياج تشريعي حازم يتمثل في أطر ملزمة واضحة:
-الأمر السامي البرقي الكريم رقم (٣٥٨٧) وتاريخ ٢١ محرم ١٤٤٠هـ: المستند إلى المادة (الرابعة) من النظام الأساسي للحكم، والذي يقضي بشكل قاطع بمنع استخدام شعار الدولة، وصور القيادة والمسؤولين وأسمائهم في التعاملات التجارية، والمطبوعات، والنشرات الإعلامية، والإهداءات الخاصة والتهاني في المناسبات؛ صوناً للهوية الوطنية من الاستغلال والتوظيف الوجاهي الشخصي أو القبل.
-الأمر الملكي البرقي رقم (٧٥٠٧٢) وتاريخ ١٧ شوال ١٤٤٥هـ: الصادر بتوجيه كريم من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والذي ألزم موظفي الجهات الحكومية بالزي الوطني الرسمي داخل مقار عملهم، كدلالة واضحة على تعزيز قيم الامتثال وصون المظهر والبروتوكول السيادي للدولة دون تهاون أو استثناء.
-الضوابط الرقابية لوزارة التجارة والالتزامات التنظيمية لهيئة الإعلام: وفقاً للتعميم الوزاري رقم ٦٩٠ وتاريخ ٢٣ محرم ١٤٤٠هـ، ومقتضيات تنظيم الهيئة العامة لتنظيم الإعلام الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم ٦٧٧ وتاريخ ٢٢ شعبان ١٤٤٥هـ، واللذان يحظران تماماً على المنشآت والمنصات وممارسي المحتوى الرقمي والأفراد دمج الرموز الوطنية بالصور الشخصية لغايات دعائية أو تسويقية شخصية.
الطرح التصويبي: متطلبات تفعيل المحاسبة والامتثال
إن استمرار هذه التجاوزات يفرض على الأجهزة الرقابية العليا في الدولة اتخاذ خطوات تصويبية جازمة لإعادة الانضباط للمشهد الاتصالي والاجتماعي:
١- تفعيل المسؤولية المسلكية لقطاعات الاتصال المؤسسي: إذ يُحتم الاختصاص الأصيل لوزارة الداخلية والوزارات السيادية تفعيل الرقابة الصارمة على إدارات الإعلام والاتصال التابعة لها في الإمارات والمحافظات، وتطبيق إجراءات الحوكمة الإدارية بحق أي إدارة تتجاوز التراتبية البروتوكولية وتستغل النشر الرسمي للوجاهة الشخصية.
٢- الحزم والامتثال التجاري والإعلامي والقبلي: تفعيل أدوار وزارة التجارة والهيئة العامة لتنظيم الإعلام بالتكامل مع إمارات المناطق لملاحقة المخالفين من الأفراد، والمشاهير، والوجهاء، وشيوخ القبائل الذين يتخذون من المناسبات الوطنية غطاءً لإبراز ذواتهم وحشو صورهم بصورة تمتهن الهوية البصرية الرسمية، وتطبيق الغرامات وحجب الحسابات المخالفة فوراً.
٣- تجريد المناسبة لصالح الوطن: إن التهنئة بالوطن يجب أن تخلص للوطن وقيادته حصراً، فالأصل في المناسبات الوطنية هو تجريد المشهد البصري من الاعتبارات الفردية، أو الوظيفية، أو القبلية، ليبقى رمز الدولة وقادتها هما العنوان الأوحد.
ختاماً، إن الالتزام بقواعد البروتوكول والمراسم الوطنية ليس نافلة تجميلية، بل هو أصل أصيل من أصول احترام سيادة الدولة والامتثال لأنظمتها. وعندما يتصل المشهد بالوطن ورموزه، تتراجع كافة المقامات والوجاهات الفردية والمسؤوليات التنفيذية والاعتبارات الاجتماعية، ليبقى النص السيادي وشعار الدولة وصور قادتها الثلاثة في الصدارة دائماً.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



