المناسبات الوطنية

السعودية وطنٌ يروي أبناءه ويروونه:

✍️د. عالي علي السعدوني – كاتب سعودي :

في اليوم الوطني لا نفتح كتاب التاريخ لنبحث عن وطن مضى، ولا نستدعي من الذاكرة قصةً بعيدةً لنرويها لأبنائنا ثم نغلق صفحاتها ونعود إلى يومنا؛ لأن السعودية ليست قصةً انتهت عند لحظة التوحيد، وإنما قصة ما تزال تمشي بيننا وتكبر معنا وتضيف إلى عمرها من أعمارنا تحمل في ملامحها صرامة البدايات وقسوة الطريق وصبر الرجال الذين آمنوا بفكرة الدولة قبل أن تكتمل صورتها، وتحمل في عينيها اتساع المستقبل الذي تنظر إليه بثقة من يعرف أن الأرض التي استطاعت أن تجمع شتاتها وتصنع وحدتها وتبني دولتها وسط ظروف شديدة القسوة قادرة على أن تعيد صناعة نفسها كلما تغير العالم من حولها، وأن تدخل زمنها الجديد وهي ممسكة بجذورها بيد، وبأحلام أبنائها باليد الأخرى.
والسعودية التي نراها اليوم لم تولد بهذا الاتساع دفعةً واحدة، وإنما مشت إلى حاضرها على أقدام رجال تعبوا كثيرًا لكي نرتاح، وسهروا طويلًا لكي ننام آمنين، وقطعوا طرقًا موحشة لكي نجد نحن الطرق ممتدةً بين مدننا، وعاشوا قسوة الحاجة لكي تجد أجيالنا أبواب التعليم والصحة والعمل مفتوحة أمامها، ولذلك فإننا عندما ننظر إلى صورة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود لا ننظر إلى رجل يقف في طرف بعيد من التاريخ، وإنما ننظر إلى بداية الحكاية التي ما زلنا نعيش فصولها، إلى رجل نظر إلى أرض فرقتها المسافات والظروف فرأى وطنًا، ونظر إلى جماعات متباعدة فرأى شعبًا، ونظر إلى مستقبل لم يكن قد ولد بعد فرأى دولةً ستكبر يومًا حتى يصبح اسمها حاضرًا في مجالس السياسة والاقتصاد والعالم.
وكان الوطن يكبر عامًا بعد عام كما يكبر الابن في عين أبيه تتسع مدنه وتطول طرقه وتفتح مدارسه وتنهض جامعاته وتزدحم مطاراته وتتغير ملامح الحياة في قراه ومحافظاته، وكان كل جيل يستلمه من الجيل الذي سبقه ثم يضيف إليه شيئًا من عرقه وعلمه وأحلامه قبل أن يسلمه لمن يأتي بعده حتى أصبحت المملكة التي بدأت رحلتها وسط صحراء شاسعة دولةً تتحرك في كل اتجاه، تبني اقتصادًا جديدًا، وتعيد تشكيل مدنها، وتفتح أبوابًا واسعة أمام شبابها، وتستثمر في الإنسان قبل الحجر، وتنظر إلى المستقبل لا باعتباره زمنًا مجهولًا ننتظر قدومه، وإنما باعتباره أرضًا أخرى يجب أن نصل إليها ونحن أكثر علمًا وقوةً وثقةً وقدرةً على المنافسة.
والوطن مهما اتسعت مشروعاته وارتفعت مبانيه وكبرت مدنه يبقى في وجدان الإنسان أشياء صغيرة لا تظهر في الصور الرسمية ولا تستطيع التقارير أن تقيسها، يبقى صوت الأب وهو يقول لابنه احفظ وطنك، ودعاء الأم وهي ترفع يديها أن يديم الله الأمن على هذه البلاد، وارتباك الطفل وهو يقف أول مرة أمام العلم في طابور المدرسة، ودمعة الرجل الكبير عندما يسمع النشيد فتعود إليه سنوات بعيدة ووجوه أصدقاء رحلوا، وحنين المسافر عندما يقترب من أرض المملكة فينظر من نافذة الطائرة وكأنه يستعيد جزءًا غائبًا من نفسه، وطمأنينة الإنسان عندما يعود إلى مدينته وشارعه وبيته فيشعر أن المسافة الطويلة التي قطعها انتهت عند المكان الذي يعرفه قلبه قبل أن تعرفه قدماه.
وفي يومها الوطني تبدو السعودية كأنها تنهض من بين صفحات التاريخ، تنفض عن كتفيها غبار الرحلة الطويلة، وتلبس أخضرها الذي عرفناه منذ الطفولة، ثم تمشي بين أبنائها متفقدةً ما صنعوه بها وما صنعته بهم، تمر على الجندي في موقعه فتضع يدها على كتفه، وعلى المعلم في فصله فتستودعه عقول أبنائها، وعلى الطبيب في مستشفاه فتوصيه بأوجاع أهلها، وعلى المهندس في مشروعه فتدفع إليه أحلام مدنها، وعلى الأب في بيته فتضع في يده طفلًا وتقول له إن بناء الأوطان يبدأ من تربية الإنسان، ثم تمضي بين الجميع وكأنها تذكّرهم أن الوطن لا يبنيه رجل واحد ولا مؤسسة واحدة ولا جيل واحد، وإنما تبنيه ملايين الأيدي الصغيرة التي قد لا يعرف أصحابها بعضهم، لكنها تلتقي جميعًا في النهاية عند راية واحدة.
وفي يوم الوطن لا أريد أن أتحدث عن السعودية كما يتحدث المرء عن مكان يسكنه؛ لأن علاقتنا بهذه الأرض أكبر من علاقة ساكن بمكان، فنحن نحمل شيئًا منها في تكويننا مهما ابتعدنا عنها، نحمل لهجتها وملامح مدنها ورائحة قهوتها وذكريات طرقها وأسماء أحيائها وصوت الأذان في مساجدها ووجوه أهلها، ونحمل تلك الطمأنينة التي لا ننتبه إليها كثيرًا ونحن نعيش داخلها، ثم نكتشف قيمتها إذا ابتعدنا عنها، فنفهم أن الوطن ليس الأرض التي تقف عليها أقدامنا فقط، وإنما الأرض التي إذا غادرتها أقدامنا ظل القلب واقفًا عليها ينتظر العودة.
ومحبة الوطن ليست أن نراه كاملًا لا نقص فيه، ولا أن نحول اليوم الوطني إلى عبارات ثناء تنتهي بانتهاء المناسبة، لأن الوطن الذي نحبه حقًا هو الوطن الذي نتمنى له أن يصبح في كل صباح أفضل مما كان عليه بالأمس، فنفرح بمنجزه ونحميه، ونرى تقصيره فنعالجه، ونشكر من أخلص في خدمته، ونقول للمقصر إن هذه البلاد تستحق منك أكثر؛ لأن الوطنية ليست أن نصفق لكل شيء، وإنما أن نخاف على كل شيء، وأن يشعر الموظف أن الدقيقة التي يعطل فيها مصالح الناس ليست من وقته وحده، وأن يشعر المعلم أن الطالب الذي يهمل تعليمه ليس رقمًا في كشف الحضور وإنما جزء من مستقبل وطنه، وأن يشعر المسؤول أن الكرسي الذي يجلس عليه سيغادره يومًا ويبقى ما صنعه فيه شاهدًا له أو عليه.
والراية التي نرفعها في يوم الوطن ليست قطعة قماش خضراء تحركها الريح ثم تهدأ إنها تاريخ كامل يرفرف فوق رؤوسنا تحمل في خيوطها أصوات الذين أسسوا وبنوا وحموا وضحوا، وتحمل في اخضرارها وجه الأرض التي تعلمت كيف تنتصر على قسوة الصحراء، وتحمل في كلمة التوحيد هويتها التي عرفت بها نفسها منذ البداية، وكلما ارتفعت هذه الراية فوق بيت أو مدرسة أو شارع بدا لي أنها لا ترفرف في الهواء وحده، وإنما تطرق أبواب القلوب وتذكرنا أن الذين سلمونا هذا الوطن لم يسلمونا مناسبةً نحتفل بها، وإنما سلمونا أمانةً ثقيلةً يجب أن نضيف إليها قبل أن نسلمها لمن يأتي بعدنا.
يا السعودية، يا وطنًا لم نعرف متى بدأ يسكننا لأننا فتحنا أعيننا فوجدناه حولنا، وكبرنا فوجدناه يكبر معنا، وابتعد بعضنا عنه فعرف أن المسافات تستطيع أن تحمل الجسد بعيدًا ولا تستطيع أن تحمل الوطن خارج القلب، يا وطنًا يحمل أسماء آبائنا الذين بنوا، ووجوه أمهاتنا اللواتي دعون، وأحلام أبنائنا الذين ينتظرون، لن نقول لك في يومك كل عام وأنت بخير ثم نمضي، وإنما نقول كل عام ونحن أكثر وفاءً لك، وأكثر قدرةً على حمل مسؤوليتك، وأكثر إدراكًا أن الوطن لا يحتاج إلى أصواتنا مرتفعةً بقدر حاجته إلى أعمالنا صادقةً، ولا يحتاج إلى محبتنا مكتوبةً على الجدران بقدر حاجته إليها ظاهرةً في المدارس والمستشفيات والجامعات والطرقات ومواقع العمل وفي كل مكان يحمل اسم المملكة العربية السعودية.
هذه السعودية وطنٌ بدأ حلمًا في قلب المؤسس ثم صار أمانةً في أعناق أبنائه ثم أصبح اليوم حلمًا أكبر في عيون أحفاده، يمشي إلى المستقبل بخطى واثقة، يحمل تاريخه دون أن يثقله التاريخ، ويحفظ جذوره دون أن تمنعه الجذور من التحليق، ويفتح ذراعيه لغدٍ واسع يعرف أنه لن يأتي كما نريده بمجرد الأمنيات، وإنما نصنعه نحن بالعلم والعمل والإخلاص حتى يأتي أبناؤنا بعد أعوام طويلة فيقفون في يومهم الوطني، وينظرون إلى ما تركناه لهم، ويذكروننا بالخير كما نذكر اليوم الذين سبقونا.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى