أن تنام مطمئناً… تلك حكاية وطن

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :
في اليوم الوطني السادس والتسعين، تزدحم الكلمات بالحب، وتكتسي الشوارع بالأخضر، وترتفع الأعلام على البيوت والطرقات، ويبحث كل واحد منا عن طريقته ليقول: أحب هذا الوطن.
أما أنا، ففي هذا العام تحديداً، لا أريد أن أكتب عن الوطن كما نراه في يومه..
أريد أن أكتب عنه كما نشعر به في بقية الأيام.
عن صباح عادي نخرج فيه من بيوتنا، وعن مساء نعود فيه إليها، وعن أبناء نودعهم عند أبواب مدارسهم، ثم نمضي إلى أعمالنا، ونحن نحمل هموم الحياة الصغيرة، لا هم النجاة منها.
قد تبدو هذه التفاصيل عادية جداً.
لكن أجمل ما في الأمان، أنه يجعل الحياة تبدو عادية.
ولأن الأمان يحيط بنا كل يوم، قد لا ندرك في كل لحظة حجم النعمة التي نعيشها.
نحمد الله عليها، لكن بعض النعم كلما طال بقاؤها معنا، أصبحت جزءاً من تفاصيلنا، حتى يأتي مشهد بعيد ليعيدها إلى أعيننا من جديد.
حين ترى أباً في مكان ما من هذا العالم لا يتمنى لأبنائه نجاحاً ولا تفوقاً، وإنما يتمنى فقط أن يعودوا إليه سالمين..
وأسرة تركت بيتها، لا بحثاً عن حياة أفضل، وإنما بحثاً عن مكان تستطيع أن تنام فيه دون خوف.
تدرك أن هناك أشياء كنا نظنها تفاصيل حياة، بينما هي في الحقيقة نعم عظيمة.
وهنا يصبح للوطن معنى آخر.
فالوطن ليس مجرد المساحة التي وُلدنا عليها، ولا اسماً نحمله في وثائقنا، ولا علماً نرفعه في مناسبة.
الوطن أن تعرف أن خلفك أرضاً تسند ظهرك، وفوقها مساحة لا تخاف فيها من الغد.
أن تخطط للغد، لأنك تؤمن أن هناك غداً.
أن تحلم لأبنائك بعد عشرين عاماً.
أن تبني بيتاً، وتبدأ مشروعاً، وتصنع مستقبلاً يشبه طموحك، وتؤجل بعض أحلامك إلى العام القادم، وأنت مطمئن إلى أن للحياة متسعاً.
لهذا تغير معنى الوطن داخلي كلما تقدمت بي السنوات.
كنت أراه أرضاً أحبها.
ثم أدركت أن الوطن أعمق من أن يكون أرضاً فقط.
هو ذلك الشعور الخفي بأن هناك شيئاً كبيراً يسند ظهرك، وأن لك مكاناً في هذا العالم مهما ابتعدت، وأرضاً حين تعود إليها لا تحتاج أن تشرح لها من أنت.
يكفي أنك منها.
ونحن في المملكة العربية السعودية لم نرث وطناً بالمعنى الجغرافي وحده، وإنما ورثنا حكاية طويلة من البناء، ومسؤولية أن نحفظ ما وصل إلينا، وأن نترك لمن يأتي بعدنا وطناً أجمل مما وجدناه.
وحين أنظر اليوم إلى بلادنا، لا أتوقف فقط أمام ما تغير في المدن والطرق والمشاريع.
أتوقف أمام شيء آخر لا يُرى بسهولة:
اتساع مساحة الحلم داخل الإنسان السعودي.
أن يكبر الابن وهو يرى أمامه مستقبلاً يستطيع أن يكون جزءاً منه، وأن يشعر الإنسان أن المكان من حوله يتسع كل يوم لأحلام أكبر.
وهذا، في ظني، أحد أجمل معاني الوطن..
أن يمنحك الأمان لتعيش، ثم يمنحك المساحة لتحلم.
وفي يومنا الوطني، لا نحتاج إلى كلمات كثيرة بقدر حاجتنا إلى لحظة ننظر فيها حولنا.
إلى بيوتنا.
إلى أبنائنا.
إلى والد عاد من عمله.
إلى أم أغلقت باب بيتها ليلاً، ونامت مطمئنة على أبنائها.
إلى شارع يهدأ آخر الليل، ثم يستيقظ في الصباح على حياة جديدة.
هناك أشياء لا تدخل في أرقام المنجزات، ولا تظهر كاملة في الصور، ولا تستطيع التقارير وحدها أن تصفها.
لأن بعض أعظم ما تمنحه الأوطان لأبنائها، لا يُقاس بما بنته حولهم.
وإنما بما بنته داخلهم من طمأنينة.
ولهذا، لو سألني أحدهم اليوم:
ماذا يعني لك وطنك؟
لن أبحث عن عبارة كبيرة.
سأقول:
هو المكان الذي أضع فيه رأسي آخر الليل، ولا أخاف من الصباح.
هو المكان الذي أرى فيه أحلام أبنائي تكبر أمامي، ولا أخشى عليها من الغد.
هو المكان الذي جعل الأمان جزءاً من حياتنا، حتى أصبح عادياً في أعيننا، مع أنه في أماكن كثيرة من هذا العالم، لا يزال أمنية.
وتلك ليست حياة عادية..
تلك نعمة اسمها السعودية.
وفي يومها السادس والتسعين، لا أملك أمام هذه النعمة إلا أن أقول:
الحمد لله على وطن ننام على أرضه مطمئنين، ونستيقظ فيه حاملين أحلامنا لا مخاوفنا.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وقيادتها وشعبها، وأدم عليها أمنها وعزها ورخاءها، واجعل القادم من أعوامها أجمل مما مضى.



