كتاب الرأي

مجلس شؤون التعليم العام خبر يبعث على التفاؤل:

✍️د. علي بن عالي السعدوني- كاتب سعودي :

من الأخبار التي تسعد كل من عاش التعليم وعرف المدرسة من الداخل خبر الاجتماع الأول لمجلس شؤون التعليم العام برئاسة معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان، فالمشهد في صورته البسيطة يقول إن التعليم لم يعد شأن جهة تعمل وحدها ثم تنتظر النتائج، وإنما قضية وطنية تستحق أن تجتمع حولها الخبرات والمسؤوليات والجهات المختلفة، وأن يجلس الجميع إلى طاولة واحدة وهم يحملون همًّا واحدًا كيف نصنع مدرسة أفضل، ومعلمًا أكثر قدرة، وطالبًا يجد في يومه الدراسي ما يستحق أن يأتي من أجله كل صباح.
وأكثر ما أعجبني في هذا المجلس أنه جاء بفكرة تجمع ولا تفرق، وتقرب المسافات بين من يخطط ومن ينفذ ومن يعيش تفاصيل التعليم اليومية؛ لأن مشكلتنا في التعليم لم تكن يومًا في قلة الأفكار، لدينا أفكار ومبادرات وتجارب كثيرة، ولكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما تلتقي هذه الجهود في طريق واحد، وعندما يعرف كل طرف ماذا يصنع الطرف الآخر، وعندما تصل النتيجة في آخر الطريق إلى فصل دراسي يجلس فيه طالب ينتظر منا تعليمًا يفتح عقله ويمنحه فرصة حقيقية للمستقبل.
ومعالي الوزير يوسف البنيان يستحق الثناء على هذه الخطوة؛ لأنه يقود وزارة ليست كأي وزارة، فهو يتعامل كل صباح مع ملايين التفاصيل التي تبدأ من طفل يدخل المدرسة للمرة الأولى، وتمتد إلى معلم ومدير وأسرة ومناهج ومبانٍ ونتائج وطموحات كبيرة لوطن يريد أن ينافس بعقول أبنائه، ومع هذا كله نرى محاولة واضحة لجمع أطراف التعليم في صورة أكبر، وعدم ترك المدرسة وحدها تواجه كل التحديات، وهذه في ذاتها فكرة تستحق التقدير؛ لأن التعليم أكبر من أن تحمله وزارة وحدها، وأكبر من أن يختصر في كتاب وحصة واختبار.
وأنا ابن التعليم وأعرف الميدان، وأعرف أن المعلم لا يريد كلامًا كثيرًا بقدر ما يريد بيئة تساعده على أن يعلّم، وأن المدير لا يريد أن يقضي يومه كله بين الغياب والجداول والمقصف والتعاميم بقدر ما يريد وقتًا يقود فيه مدرسته ويراقب تعلم طلابه، وأن الطالب لا يعنيه اسم البرنامج المكتوب على الورق بقدر ما يعنيه معلم يفهمه ومدرسة تحترمه وحصة تجعله يعود إلى منزله وقد تعلم شيئًا لم يكن يعرفه صباحًا، ولذلك أتمنى أن يكون هذا المجلس قريبًا جدًا من هذه التفاصيل؛ لأن أجمل القرارات التعليمية هي تلك التي يشعر بها الطالب دون أن يعرف رقمها أو اسمها.
لدينا اليوم وطن يسابق الزمن، ومدن تتغير، واقتصاد يتغير، وفرص لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت أمام أبنائنا، ومن الطبيعي أن يتغير التعليم بالسرعة نفسها، وأن تصبح المدرسة مكانًا يبني شخصية الطالب قبل أن يحفظه الإجابة، ويعلمه كيف يفكر قبل أن يخبره ماذا يفكر، ويمنحه الثقة في لغته وهويته وقدراته، ويخرجه إلى الجامعة والحياة وهو يعرف نفسه ويعرف ماذا يستطيع أن يقدم لوطنه.
ومن هذا الباب استبشرت بهذا الاجتماع ليس لأن اجتماعًا جديدًا أضيف إلى أجندة التعليم، وإنما لأن اجتماع أصحاب القرار حول التعليم يحمل معنى يستحق التفاؤل فكلما اقتربت الجهات من بعضها اقترب الحل من المدرسة، وكلما سمع المسؤول صوت الميدان بوضوح أصبحت القرارات أكثر التصاقًا بحياة الناس، وكلما وضعنا الطالب أمام أعيننا قبل الأرقام والتقارير عرفنا لماذا أنشئت المدرسة أصلًا.

شكرًا لمعالي وزير التعليم يوسف البنيان، وشكرًا لكل من يجلس إلى هذه الطاولة وهو يدرك أن أمامه مسؤولية تتجاوز اجتماعًا ينتهي وتغلق أوراقه؛ لأن خلف كل ورقة مدرسة، وخلف كل مدرسة معلم، وأمام كل معلم وجوه صغيرة تحمل أحلام أسر كاملة، وفي تلك الوجوه تحديدًا يكتب النجاح الحقيقي للتعليم السعودي.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى