استهداف مكة وحلف مكة واتفاقيات أبراهام.. هل تعيد السعودية رسم معادلة التحالفات؟

✍️ العميد. م. ندى الخمعلي – كاتب رأي :
لم يعد المشهد في الشرق الأوسط مجرد سلسلة من الأزمات المتفرقة، بل أصبح أقرب إلى إعادة تشكيل واسعة لموازين القوة والتحالفات. وفي قلب هذه التحولات تقف المملكة العربية السعودية أمام معادلة دقيقة: شراكة استراتيجية تاريخية مع الولايات المتحدة من جهة، وانفتاح متزايد على تركيا وباكستان والصين وغيرها من جهة أخرى، بالتزامن مع تصاعد التهديدات الإيرانية والحوثية في الإقليم.
وجاء التطور الأخطر مع إعلان السعودية اعتراض وتدمير مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، في حادثة وصفت الرياض أمن مكة والمشاعر المقدسة بأنها خط أحمر، بينما نفى الحوثيون استهداف المدينة المقدسة .
وبصرف النظر عن الجهة التي تقف وراء القرار العملياتي للمسيّرة، فإن مجرد وصول التصعيد إلى محيط مكة يفرض سؤالاً استراتيجياً كبيراً: هل نحن أمام استفزاز للمملكة واختبار لحدود ردها، أم أمام محاولة لقياس مدى استعداد المنظومة الدفاعية الجديدة التي بدأت تتشكل حولها؟
فالحدث يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بعد توقيع اتفاقية مكة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان، وهي اتفاقية تقوم على مبدأ أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يمثل اعتداءً عليها جميعاً. وقد بدأت آليات التعاون الثلاثي بالفعل في العمل، مع اجتماع اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول نهاية أغسطس .
ومن هنا فإن أي تصعيد ضد المملكة لا يُقرأ اليوم بالطريقة نفسها التي كان يُقرأ بها قبل اتفاقية مكة. فالمعادلة الدفاعية أصبحت أوسع، حتى وإن أكدت باكستان أن الاتفاقية لم تُفعّل عسكرياً في مواجهة الهجمات الحوثية الأخيرة .
وفي الجانب الآخر من المعادلة، يأتي الموقف الأمريكي من اتفاقيات أبراهام ليضيف بعداً جديداً. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يوليو أن واشنطن لن تمضي في الاتفاق النووي المدني مع السعودية ما لم تنضم المملكة إلى اتفاقيات أبراهام وتطبع العلاقات مع إسرائيل .
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية
إذا أصبحت بعض الاتفاقيات الاستراتيجية الأمريكية مرتبطة بشروط سياسية لا تتوافق بالضرورة مع الأولويات السعودية، فإن الرياض أمام خيار واضح: إما قبول الشروط كما هي، أو توسيع شبكة الخيارات والشراكات بحيث لا يصبح أي ملف استراتيجي مرهوناً بعلاقة واحدة أو عاصمة واحدة.
والسعودية، وفق مسار سياستها الخارجية خلال السنوات الأخيرة، تبدو أقرب إلى الخيار الثاني: التنويع لا القطيعة، والاستقلالية لا الانعزال.
فالمملكة لا تتخلى عن واشنطن، ولا تبدو في وارد استبدال التحالف الأمريكي بتحالف شرقي. لكنها في الوقت ذاته تبني علاقات دفاعية وسياسية واقتصادية مع قوى متعددة، من تركيا وباكستان إلى الصين وغيرها، بما يمنحها مساحة أكبر في اتخاذ القرار.
وهنا يمكن فهم اتفاقية مكة في سياق أوسع
فالاتفاقية ليست بالضرورة رداً مباشراً على الموقف الأمريكي من اتفاقيات أبراهام، ولا توجد أدلة علنية تثبت أنها أُنشئت لهذا السبب تحديداً. لكنها تمنح المملكة، من الناحية الاستراتيجية، طبقة إضافية من الردع والشراكة في وقت أصبحت فيه البيئة الأمنية أكثر تعقيداً.
والتطور الحوثي الأخير يجعل المسألة أكثر حساسية. فبحسب رويترز، تصاعدت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، فيما طلب ولي العهد السعودي دعماً عسكرياً أمريكياً، واقتصر الدعم الأمريكي حتى الآن على المساعدة الاستخباراتية، في حين تواجه واشنطن معضلة بين زيادة تدخلها العسكري وبين تجنب فتح جبهة جديدة.
وفي الوقت نفسه، كشفت رويترز عن اتصالات أمريكية مباشرة مع الحوثيين في مسقط، وهو تطور لا يعني بالضرورة وجود توافق أمريكي ـ حوثي، لكنه يؤكد أن واشنطن تستخدم في الوقت نفسه أدوات عسكرية ودبلوماسية للتعامل مع الأزمة .
وهنا يجب التمييز بين تضارب المصالح وتنسيق المؤامرات
قد تتقاطع مصالح أطراف مختلفة في لحظة معينة، وقد تستفيد دولة من ضغط تتعرض له دولة أخرى، لكن ذلك لا يكفي لإثبات وجود غرفة عمليات سرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والحوثيين ضد السعودية.
المؤكد أن إيران تدعم الحوثيين، والمؤكد أن الحوثيين يضغطون عسكرياً على السعودية، والمؤكد أيضاً أن واشنطن تحاول إدارة الأزمة وفق حساباتها ومصالحها الخاصة. أما الربط بين هذه المسارات في خطة سرية واحدة تستهدف المملكة أو اتفاقية مكة تحديداً، فيحتاج إلى أدلة لا تتوافر علناً حتى الآن.
لكن هناك حقيقة استراتيجية أكبر من ذلك كله:
السعودية لم تعد تريد أن تكون خياراتها الاستراتيجية محصورة في محور واحد.
فإذا كانت واشنطن تضع شروطاً سياسية أمام بعض الاتفاقيات الاستراتيجية، وإذا كانت التهديدات الإقليمية تتوسع، وإذا كان الدعم العسكري الأمريكي في بعض الأزمات لا يأتي بالصيغة التي تريدها الرياض، فإن تنويع الشراكات يصبح بالنسبة للمملكة خياراً استراتيجياً وليس مجرد رد فعل مؤقت.
وهنا تبرز أهمية تركيا وباكستان بصورة خاصة
فتركيا تمتلك موقعاً جيوسياسياً وعسكرياً مؤثراً، وباكستان تمتلك قوة عسكرية كبيرة وقدرات استراتيجية، بينما تمثل السعودية الثقل الاقتصادي والسياسي والديني للعالم الإسلامي. ومن ثم فإن التعاون بين هذه الدول الثلاث يخلق إطاراً مختلفاً عن التحالفات التقليدية.
وقد يكون هذا هو السبب في أن اتفاقية مكة أصبحت موضع اهتمام إقليمي واسع، بل إن دولاً أخرى بدأت تدرس إمكانية الانضمام إليها.
أما استهداف مكة، أو محاولة الاقتراب منها، فإنه يرفع مستوى الاختبار إلى أقصى درجاته.
فالمملكة تستطيع التعامل مع تهديدات حدودية وعسكرية باعتبارها ملفات أمنية، لكنها عندما يتعلق الأمر بمكة والمدينة والمشاعر المقدسة فإن المسألة تتجاوز الأمن الوطني إلى مسؤولية دينية وإنسانية ذات بعد عالمي.
ولهذا فإن العبارة التي أطلقتها السعودية بأن أمن مكة خط أحمر تحمل رسالة تتجاوز الحوثيين أنفسهم: المساس بأمن الحرمين ليس ملفاً قابلاً للمساومة السياسية.
وفي المحصلة، قد لا تكون المعركة الحالية معركة صواريخ ومسيّرات فقط، بل معركة على شكل النظام الإقليمي المقبل.
هل يبقى الشرق الأوسط محكوماً بشبكة التحالفات التقليدية التي تقودها واشنطن؟
أم يتجه إلى تعدد مراكز القوة، بحيث تمتلك الدول الإقليمية قدرة أكبر على بناء تحالفاتها الخاصة دون التخلي عن علاقاتها التاريخية؟
المؤشرات الحالية تشير إلى أن السعودية تتحرك باتجاه النموذج الثاني: علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وشراكات دفاعية مع تركيا وباكستان، وعلاقات اقتصادية واستراتيجية مع الصين وغيرها، مع إبقاء القرار السعودي في النهاية مرتبطاً بالمصلحة الوطنية السعودية.
وهذا لا يعني أن الرياض اختارت الشرق ضد الغرب، بل يعني شيئاً أكثر أهمية:
أن السعودية تريد أن يكون لها أكثر من باب، وأكثر من شريك، وأكثر من خيار عندما يتعلق الأمر بأمنها ومستقبلها.
وقد يكون هذا هو التحول الحقيقي الذي ينبغي مراقبته في المرحلة المقبلة: ليس انتقال السعودية من محور إلى محور، وإنما انتقالها من الاعتماد على مظلة واحدة إلى بناء شبكة واسعة من المظلات والشراكات، مع بقاء القرار النهائي في الرياض.
للتواصل : [email protected]



