القرشي في مدرسة (ثلوج كليمنجارو)

ضمن برامجه المهتمة بالكتابة الإبداعية والقراءة العميقة للنصوص الأدبية، يقيم الكاتب والمترجم ومدرب الكتابة الإبداعية خلف سرحان القرشي، مساء الاثنين 24 أغسطس 2026م، مدارسة أدبية تفاعلية حول قصة «ثلوج كليمنجارو» للكاتب الأمريكي الحائز على جائزة نوبل في الأدب إرنست همنغواي، وذلك عند الساعة الثامنة والنصف مساءً، عبر تطبيق Zoom، ولمدة ساعتين.
وتأتي هذه المدارسة ضمن برنامج المدارسات الأدبية والفنية الذي انطلق قبل نحو عامين، واستمر في تقديم لقاءات تقوم على القراءة المشتركة والمناقشة والتحليل، بهدف تقريب الأعمال الأدبية والفنية المهمة من المشاركين، وتعريفهم بروائع الأدب والفن التي تركت أثرًا ممتدًا في الثقافة الإنسانية.
ويولي البرنامج اهتمامًا خاصًا بالمبتدئين في مجال الكتابة الإبداعية؛ انطلاقًا من أن تعلم الكتابة لا يتحقق من خلال القواعد والتقنيات وحدها، وإنما يحتاج الكاتب في بداياته إلى الاحتكاك بالنماذج الكبرى، وقراءة النصوص التي صمدت أمام الزمن، والتأمل في الطريقة التي بنى بها أصحابها شخصياتهم وحكاياتهم وحواراتهم، وصنعوا بها الأثر في القارئ.
وخلال العامين الماضيين، تناول البرنامج بالمدارسة والمناقشة عددًا من الأعمال الأدبية والفنية، ولم يقتصر على القصة والرواية، بل امتد إلى أعمال فنية أخرى، من بينها أفلام ومسرحيات عالمية، بوصفها أشكالًا مختلفة للحكاية يمكن للكاتب أن يتعلم منها بناء الشخصية، وإدارة الصراع، وصناعة المشهد، والحوار، والإيقاع، والنهاية، وما يقال وما يظل مسكوتًا عنه.
وتقوم فكرة البرنامج في جوهرها على أن الكاتب يتعلم الكتابة بالكتابة، لكنه يتعلمها أيضًا — وربما بالقدر نفسه — بالقراءة والمشاهدة والتأمل في الأعمال العظيمة؛ فكل قصة خالدة، ورواية كبيرة، ومسرحية أو فيلم محكم، يمكن أن يتحول إلى ورشة مفتوحة في فن السرد إذا عرفنا كيف نقرأه.
وتأتي «ثلوج كليمنجارو» امتدادًا لهذه الرحلة؛ فهي من القصص التي لا تكفي قراءتها مرة واحدة، ولا تنتهي مهمتها عند معرفة الحكاية، بل تبدأ قراءتها الحقيقية حين نتجاوز سؤال: «ماذا حدث؟» إلى أسئلة أكثر عمقًا: كيف كُتب النص؟ ولماذا اختار الكاتب هذه الطريقة دون غيرها؟ وما الذي قاله صراحة؟ وما الذي تعمّد أن يتركه للقارئ كي يكتشفه بين السطور؟
وقد اختيرت القصة لما تمثله من مكانة بارزة في تجربة همنغواي القصصية، ولما تتيحه من إمكانات واسعة للقراءة والتحليل؛ فهي ليست مجرد حكاية رجل يواجه الموت في سفح جبل إفريقي، وإنما نص تتداخل فيه الذاكرة والندم والحب والفقد والطموح والموهبة المهدرة، ويصبح فيه اقتراب الموت مناسبة قاسية لمراجعة حياة كاملة، وما كُتب منها وما ظل مؤجلًا حتى لم يعد هناك متسع للكتابة.
وتتناول المدارسة عددًا من المحاور الفنية والسردية، في مقدمتها: لماذا تعد «ثلوج كليمنجارو» من أشهر قصص الأدب العالمي؟، والتعرف إلى تقنية «الجبل الجليدي» التي ارتبطت باسم همنغواي، والقائمة على أن يظهر للقارئ جزء محدود من المعنى، بينما تظل المساحة الأكبر كامنة تحت سطح النص.
كما تتوقف المدارسة عند رمزية الثلج والفهد والضباع والجبل، وكيف تتحول هذه العناصر من مكونات للمشهد إلى علامات تحمل دلالات تتجاوز حضورها الظاهر، إضافة إلى قراءة حضور الذاكرة والزمن والندم بوصفها محركات أساسية للسرد، والطريقة التي يتداخل بها الحاضر مع الماضي في اللحظات الأخيرة من حياة بطل القصة.
ويُخصص جانب من اللقاء لمناقشة واحدة من أبرز سمات كتابة همنغواي، وهي الاقتصاد اللغوي وفن المسكوت عنه؛ إذ لا يقول الكاتب كل شيء، ولا يشرح كل انفعال أو معنى، وإنما يترك للقارئ مساحة ليشارك في صناعة الدلالة واستكمال ما أخفاه النص.
ولا تهدف المدارسة إلى تقديم تفسير نهائي للقصة أو تلقين المشاركين قراءة نقدية جاهزة، بل تسعى إلى تحويل النص إلى مختبر حي للكتابة والقراءة؛ يشارك فيه الحضور بالأسئلة والملاحظات والتأويلات، وصولًا إلى السؤال الأهم بالنسبة للكاتب والقارئ معًا: ماذا يمكن أن نتعلم من همنغواي، لا عن هذه القصة وحدها، وإنما عن فن كتابة القصة وقراءتها؟
ويؤكد مقدم المدارسة خلف سرحان القرشي أن الغاية من مثل هذه اللقاءات ليست تلخيص الأعمال الأدبية، وإنما تدريب العين على رؤية ما وراء الحكاية؛ لأن معرفة أحداث قصة عظيمة لا تعني بالضرورة أننا قرأناها حقًا، فالقراءة العميقة تبدأ غالبًا بعد أن نعرف ما حدث، ونبدأ في التساؤل عن الكيفية التي صنع بها الكاتب أثره.
وتستهدف المدارسة المهتمين بالأدب العالمي وفنون السرد والكتابة الإبداعية، والقراء الراغبين في الانتقال من القراءة التي تلاحق الأحداث إلى قراءة أكثر وعيًا بالبناء واللغة والرمز والصمت السردي.
وتبلغ رسوم المشاركة في المدارسة 20 ريالًا فقط.
وفي لفتة ثقافية كريمة، بادر أحد المهتمين بهذه اللقاءات — وقد أصرّ على عدم ذكر اسمه — إلى التكفل برسوم مشاركة خمسة من المهتمين بالمدارسة، دعمًا لهذه المبادرات وتشجيعًا للقراء والكتّاب على حضورها والاستفادة منها.
وقد جاء هذا الدعم دون رغبة في إعلان اسم صاحبه أو الإشارة إليه، في صورة جميلة من صور العطاء الذي يكتفي بأثره. وسيتم إهداء المقاعد الخمسة مع المحافظة على خصوصية المستفيدين منها.
وهي مبادرة تستحق الشكر والتقدير؛ فدعم الثقافة لا يقاس بحجم ما يُقدَّم بقدر ما يقاس بالأبواب التي يفتحها أمام الآخرين. وربما يكون أجمل العطاء ذلك الذي يظهر أثره ويختفي صاحبه.



