كتاب الرأي

منصة مدارس عندما يصبح التحول الرقمي شريكًا في جودة التعليم:

✍️د. علي بن عالي السعدوني – كاتب سعودي :

يشهد التعليم في المملكة العربية السعودية مرحلةً جديدةً من التطوير المؤسسي تقوم على بناء منظومةٍ رقميةٍ متكاملةٍ تجعل الخدمات التعليمية أكثر كفاءةً والإجراءات أكثر وضوحًا والمعلومات أكثر دقةً بما يعزز ثقة المستفيد ويرتقي بجودة الأداء ويختصر كثيرًا من الوقت والجهد الذي كانت تستنزفه الإجراءات التقليدية في مختلف مراحل الخدمة التعليمية، ومن بين المبادرات التي تعكس هذا التوجه الوطني تأتي منصة مدارس بوصفها المنصة الوطنية لخدمات التعليم الخاص التي جمعت تحت مظلةٍ إلكترونيةٍ واحدةٍ جميع الخدمات التي يحتاج إليها ولي الأمر والطالب والمدرسة ضمن منظومةٍ مترابطةٍ تتسم بالمرونة وسرعة الإنجاز ووضوح الإجراءات وحفظ الحقوق وفق أعلى معايير الحوكمة والتحول الرقمي.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه المنصة لا تكمن في توفير خدماتٍ إلكترونيةٍ فقط بل في قدرتها على إعادة تنظيم العلاقة بين الأسرة والمدرسة من خلال إجراءاتٍ رقميةٍ موحدةٍ تمنح ولي الأمر صورةً واضحةً عن جميع الخيارات المتاحة وتختصر عليه رحلةً طويلةً من البحث والاستفسار والمراجعات المتكررة التي كانت تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين دون وجود مرجعيةٍ إلكترونيةٍ موحدةٍ تجمع جميع الخدمات في مكانٍ واحد.
وتبدأ رحلة المستفيد منذ البحث عن المدرسة المناسبة عبر منظومةٍ معلوماتيةٍ متكاملةٍ تتيح المقارنة بين المدارس الأهلية وفق معايير دقيقة تشمل المناهج التعليمية والمرافق والخدمات والموقع الإلكتروني والرسوم الدراسية المعتمدة وغيرها من البيانات التي تساعد الأسرة على اتخاذ قرارٍ واعٍ يستند إلى معلوماتٍ موثقةٍ ودقيقةٍ بعيدًا عن الانطباعات الشخصية أو الحملات الدعائية أو المعلومات غير المكتملة ،ثم ينتقل بعد ذلك إلى التسجيل الإلكتروني من خلال إجراءاتٍ مترابطةٍ تتميز بالسهولة والانسيابية وتختصر الأعمال الورقية وتحد من الأخطاء الإدارية وتوفر تجربةً رقميةً أكثر كفاءةً ومرونةً في جميع مراحل القبول والتسجيل، ثم إلى توثيق العقود وسداد الرسوم ضمن منظومةٍ إلكترونيةٍ تحفظ حقوق جميع الأطراف وتوثق الالتزامات بصورةٍ نظاميةٍ تجعل كل إجراءٍ محفوظًا وكل اتفاقٍ موثقًا وكل حقٍ قابلًا للإثبات والرجوع إليه عند الحاجة.
وتبرز أهمية منصة مدارس في جانب الحوكمة؛ لأنها تجعل جميع الإجراءات التعليمية والإدارية قائمةً على التوثيق الإلكتروني الذي يعزز الشفافية ويرفع مستوى الموثوقية ويحد من التباين في الإجراءات ويمنح جميع الأطراف مرجعيةً واضحةً تقوم على الأنظمة واللوائح وليس على الاجتهادات الفردية أو التفسيرات المتباينة، فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني استبدال الورق بالشاشات فحسب وإنما يعني بناء بيئةٍ مؤسسيةٍ تجعل المعلومة متاحةً والخدمة واضحةً والحقوق محفوظةً والإجراءات قابلةً للمتابعة والتقييم والمراجعة في كل مرحلةٍ من مراحل تقديم الخدمة.
كما وفرت المنصة قنواتٍ رسميةً لاستقبال الملاحظات والشكاوى ومتابعة الخدمات بما يعزز جودة التواصل بين المدرسة وولي الأمر ويضمن معالجة الملاحظات ضمن إجراءاتٍ نظاميةٍ واضحةٍ تحقق العدالة وترفع مستوى رضا المستفيد وتعزز الثقة في الخدمات المقدمة وفي كفاءة المنظومة التعليمية بصورةٍ عامة، وهي خطوة تعكس تطور الفكر الإداري في وزارة التعليم الذي أصبح ينظر إلى المستفيد بوصفه شريكًا في تحسين جودة الخدمات وتطويرها لا مجرد متلقٍ لها.
ولم تغفل المنصة الجانب الاستثماري والتخطيطي إذ تتيح متابعة الأداء التشغيلي ودراسة واقع التعليم الخاص وتحليل بيانات السوق والاطلاع على الفرص الاستثمارية بما يساعد صناع القرار والمستثمرين على بناء قراراتهم وفق بياناتٍ دقيقةٍ ومؤشراتٍ موثوقةٍ تسهم في تطوير القطاع ورفع تنافسيته وتحقيق الاستدامة في نموه، وهو ما يؤكد أن البيانات أصبحت اليوم أساسًا في صناعة القرار ورسم السياسات وتوجيه الاستثمارات وتطوير الخدمات بما يواكب المتغيرات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم.
إن منصة مدارس تمثل واحدةً من المبادرات النوعية التي أطلقتها وزارة التعليم لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت التحول الرقمي وتعزيز الحوكمة ورفع جودة الخدمات وتمكين المستفيد من الوصول إلى الخدمات الحكومية بسهولةٍ وكفاءةٍ وموثوقيةٍ من أهم المرتكزات التي يقوم عليها بناء القطاع التعليمي الحديث القادر على المنافسة واستشراف المستقبل؛ لأن نجاح التعليم لا يُقاس بعدد المدارس أو الفصول الدراسية وحدها وإنما يُقاس بقدرة المؤسسات التعليمية على بناء منظومةٍ خدميةٍ متكاملةٍ تجعل التقنية وسيلةً لتعزيز جودة الخدمات ورفع كفاءة الأداء وحفظ الحقوق وتمكين ولي الأمر من اتخاذ قراره على أساسٍ من المعرفة والوضوح والثقة.

نورة محمد المعطاني

مديرة التحرير +الرئيس المؤسس لمقهى أرجوحة شرقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى