آبار “المقطان” في الحدود الشمالية.. إرث تاريخي يروي قصة الصمود في البادية

تحتضن منطقة الحدود الشمالية عددًا كبيرًا من الآبار اليدوية التاريخية التي شكّلت قديمًا مراكز موسمية للحياة الاجتماعية والاقتصادية خلال موسم “المقياظ”، وأسهمت في استقرار البادية واستمرار حركة الرعي والتنقل. ويؤكد مختصون أن توثيق هذه الآبار والمحافظة عليها يعززان مكانتها بوصفها معالم للسياحة الثقافية والتراثية في المملكة.
ومع اشتداد حرارة الصيف، كانت موارد المياه في المنطقة ترسم ملامح الحياة في البادية، إذ يتجه السكان إليها خلال موسم يُعرف محليًا بـ”المقياظ” أو “المقطان”، لتتحول مواقع الآبار الدائمة إلى محطات للاستقرار المؤقت، تلتقي فيها الأسر وتستمر أنشطة الرعي والتنقل، في مشهد يعكس المكانة المحورية التي احتلتها المياه في تاريخ المنطقة.
وتضم الحدود الشمالية عددًا كبيرًا من الآبار اليدوية التاريخية التي حُفرت بجهود بشرية دقيقة قبل مئات، وربما آلاف، السنين، لتوفير المياه للسكان والمسافرين، والإسهام في استقرار التجمعات البشرية واستمرار الحياة في البيئة الصحراوية.
وأوضح المهتم بالتاريخ والآثار، خلف الغفيلي، في تصريح لوكالة الأنباء السعودية (واس)، أن مواقع “المقطان” كانت تمثل مراكز موسمية للحياة الاجتماعية والاقتصادية في البادية، ولم تكن مجرد آبار للشرب، بل محطات للاستقرار المؤقت، وتبادل المنافع، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين سكان البادية، كما أسهمت في استمرار حركة الرعي والتنقل عبر مسارات الصحراء .
وأشار الغفيلي إلى أن اسم “المقطان” مشتق من الفعل “قطن”، بمعنى أقام واستوطن في مكان معين، حيث يجتمع أهل البادية، ويُطلق عليهم “قطين”، لأنهم يقيمون حول مصادر المياه ولا يغادرونها طوال فصل الصيف.
وأضاف أن هذه الآبار تنتشر في مواقع عدة، من أبرزها: الدويد، والهبكة، وقيصومة فيحان، وحدق الجندة، وأعيوج لينة، والمصندق، والخشيبي، وقليب غنيم، والحفيرة، وزبالا، وغيرها من المواقع التي ارتبطت بتاريخ القبائل، وشكّلت لعقود طويلة وجهات رئيسية للمقياظ خلال أشهر الصيف.
وأكد الغفيلي أن كثيرًا من هذه الآبار لا يزال يحتفظ بشواهده العمرانية التقليدية التي تجسد مهارة الإنسان في استنباط المياه وحفر الآبار في البيئات الصحراوية، مشيرًا إلى أن المحافظة عليها وتوثيقها يسهمان في إبراز الإرث الثقافي للمنطقة، وتعزيز حضورها ضمن مسارات السياحة التراثية والثقافية في المملكة.
وتشير الشواهد التاريخية إلى أن هذه الآبار تجاوزت دورها بوصفها مصدرًا للمياه، لتصبح معالم حضارية توثق علاقة الإنسان ببيئته، وتعكس خبرته في استثمار الموارد الطبيعية والتكيف مع ظروف الصحراء، فضلًا عن كونها جزءًا أصيلًا من ذاكرة المنطقة وتراثها الإنساني.
وتبرز هذه المواقع اليوم بوصفها مقومات واعدة للسياحة الثقافية والتراثية، لما تحمله من قيمة تاريخية وإنسانية، مما يعزز أهمية المحافظة عليها وتوثيقها، لتبقى شاهدًا حيًا على مرحلة كان فيها الماء محور الحياة، وإرثًا يروي للأجيال قصة الاستقرار والصمود في بادية الحدود الشمالية .



