كتاب الرأي

الأمن في الدولة السعودية خلال ثلاثة قرون (قراءة وثائقية موجزة)

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :

عند قراءة تاريخ الجزيرة العربية قبل قيام الدولة السعودية الأولى، تظهر صورة سياسية واجتماعية اتسمت بتعدد الإمارات والسلطات المحلية، وكثرة النزاعات، واضطراب الأمن في بعض المناطق، وافتقاد كثير من الطرق إلى سلطة سياسية قادرة على حماية القوافل، وصيانة الحقوق، وتحقيق الاستقرار. ومن هنا جاءت الدولة السعودية الأولى عام 1139هـ/1727م بقيادة الإمام محمد بن سعود، لتؤسس مرحلة جديدة في تاريخ الجزيرة العربية، تقوم على توحيد الكلمة، وإقامة الشرع، وتحقيق العدل، وحفظ الأمن، إذ لا يستقر المجتمع، ولا تزدهر التجارة، ولا تنتظم شؤون الحج، ولا ينتشر العلم، ولا يقوم العمران إلا في ظل أمنٍ يحفظ الأنفس والأموال ويصون الحقوق.

وتشير وثائق الدولة السعودية الأولى المنشورة إلى قيام وحدة سياسية واسعة أسهمت في إرساء الأمن والاستقرار، من خلال تطبيق الشريعة الإسلامية، وبناء نظام إداري موحد، مما عزز مكانة الدولة ونفوذها في معظم أنحاء شبه الجزيرة العربية، وهذه حقائق تاريخية اشتملت عليها جميع المصادر والوثائق التي تناولت تلك الحقبة.

وعلى الرغم مما تعرضت إليه الدولة السعودية الأولى، فإن مشروعها في توحيد المجتمع وتحقيق الأمن لم ينقطع، إذ أعاد الإمام تركي بن عبدالله تأسيس الدولة السعودية في مرحلتها الثانية، لتواصل رسالتها في بسط الأمن والاستقرار، وترسيخ سلطة الدولة، وهو ما تؤكده إحدى الوثائق التاريخية، وهي رسالة موجَّهة من الإمام فيصل بن تركي إلى عدد من أمراء القبائل في إحدى مناطق الدولة، إذ يأمرهم فيها بعدم الاعتداء على أحد الموالين له، ويؤكد منحه الأمان وعدم التعرض له. وتعكس هذه الرسالة بجلاء أن منح الأمان، لحماية الطرق وحماية الإنسان وحقوقه تحت مظلة الدولة.

ومع استرداد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مدينة الرياض عام 1319هـ، بدأت مرحلة جديدة من بناء الدولة السعودية الحديثة، ولم يكن مشروعه مجرد استعادة مدينة أو ضم أقاليم، بل كان مشروعًا وطنيًا متكاملًا لتوحيد البلاد، وإنهاء الفرقة، وإقامة دولة يسودها الأمن والعدل، ويخضع الجميع فيها لسلطة واحدة، وقضاء واحد، ونظام واحد. وقد تُوِّج هذا المشروع بإعلان توحيد البلاد باسم المملكة العربية السعودية عام 1351هـ.

وتكشف وثائق عهد الملك عبدالعزيز أن الأمن لم يكن منفصلًا عن إقامة الشرع والعدل، بل كان ثمرة لهما، وأن الدولة ربطت بين سلطة الأمير، واختصاص القاضي، ومسؤولية شيخ القبيلة والأفراد كذلك، سعيًا لحماية حقوق الرعية. فمن ذلك وثيقة مؤرخة عام 1339هـ، جاء فيها:

(«والشيخ نائب عني في أحكام الشريعة، وأوصيناه بما يلزم في تقوى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعدل في الرعية.»)

وفي وثيقة أخرى مؤرخة في العام نفسه (1339هـ)، صادرة عن الأمير عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي، أحد أبرز قادة الملك عبدالعزيز في مراحل توحيد المملكة العربية السعودية، ورد فيها:

(«فألفى علينا أميركم، وأعطانا العهد على دين الله ورسوله، والقيام بالأوامر الشرعية… وما كان من الدعاوى المتقدمة في دماء وغيره فهي مدفونة، ومن أحدث فيها أمرًا أو خالف في شيء فلا يلوم إلا نفسه.»)

وتبرز هذه الوثيقة الحرص على إقرار الأمن، وإنهاء النزاعات والثارات، وربط بين إقامة الشرع وتحقيق الاستقرار، بما يعكس منهج الدولة في بناء السلم الاجتماعي وإرساء الأمن.

وفي رسالة مؤرخة عام 1343هـ، للملك عبدالعزيز أثناء توجهه إلى مكة المكرمة، جاء فيها:

(«متوجهين إلى مكة المكرمة للنظر في أمورها وتأمين سبلها إن شاء الله.»)

وتكشف هذه العبارة بوضوح أن هدف تأمين بسط الأمن وحماية طرق الحج وحماية الحجاج كان من أولويات الملك عبدالعزيز منذ المراحل الأولى لتوحيد البلاد.

وفي رسالة أخرى مؤرخة عام 1350هـ، جاء فيها:

(«فأنتم تحرصون على الاستقامة وعدم التعدي وتجاوز الحد، لا من قبل الحكومة ولا من قبل الرعية، واعلموا أن كل مسؤول عن عمله.»)

ويقرر هذا النص أن العدل يشمل الجميع، وأن الدولة لا تقبل تجاوز السلطة كما لا تقبل اعتداء الأفراد، وأن كل مسؤول محاسب على عمله، وهو ما يمثل إحدى الركائز الأساسية في تحقيق الأمن.

وتبين هذه الوثائق، على اختلاف تواريخها، أن الأمن في الدولة السعودية لم يكن مفهومًا أمنيًا ضيقًا، بل كان مشروعًا متكاملًا يقوم على إقامة الشريعة، وتحقيق العدل، والوفاء بالعهد، وحماية الحقوق، وتأمين الطرق، وإنهاء أسباب الفتنة والنزاع، وهو ما أسهم في بناء مجتمع مستقر، وانتقال الناس من منطق الثأر والفرقة إلى منطق الدولة والنظام والقضاء.

وقد أثمرت هذه السياسة قيام بيئة مستقرة مكنت الدولة من بناء مؤسساتها، وإنشاء المحاكم، والمدارس، وشق الطرق، وتنظيم التجارة، وخدمة الحجاج، وإطلاق مسيرة التنمية. ومع تطور الدولة اتسع مفهوم الأمن ليشمل الأمن العسكري، والجنائي، والحدودي، والفكري، والاقتصادي، والسيبراني، والغذائي، والصحي، وأمن الحج والعمرة، في منظومة مؤسسية متكاملة تستند إلى إرث تاريخي ممتد لأكثر من ثلاثة قرون.

إن قراءة الوثائق التاريخية والأحداث الكبرى في تاريخ الدولة السعودية تؤكد أن الأمن كان مشروعًا وطنيًا أصيلًا رافق الدولة في جميع مراحلها، وقام على إقامة العدل، وحماية الإنسان، وصيانة الحقوق. واليوم، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظهما الله ـ تواصل المملكة ترسيخ هذا النهج وتطوير منظومتها الأمنية، حتى غدت من أكثر دول العالم أمنًا واستقرارًا، في امتدادٍ لمسيرة وطنية راسخة امتدت لأكثر من ثلاثة قرون.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى