رحيل قامة.. وعزاء وطن

✍️د/ مانع بن سعد النهاري – كاتب سعودي :
في مناقب اللواء ضاحي بن شاهر النهاري رحمه الله
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله.
السيرة.. مسيرة عطاء لا تموت
مضى إلى ربه اللواء ضاحي بن شاهر النهاري، بعد عمرٍ حافل بالبذل، وصفحاتٍ بيضاء سطرها بالرجولة والمواقف. رجلٌ كان حضوره هيبة، وصمته حكمة، وكلمته فصل. نشأ في بيتٍ عُرف بالكرم والأصالة، فتشرب من صغره معاني الفزعة والنجدة والشجاعة. وحين لبس البدلة العسكرية لم يلبسها زينة، بل لبسها تكليفاً. تدرّج في الرتب حتى بلغ رتبة اللواء، لا بالصدفة ولا بالمجاملة، بل بعرقٍ وجهدٍ ومواقف تُحسب له في الميدان وخلف المكاتب. كان قائداً مع جنوده أبٌ يسأل عن الصغير قبل الكبير، ويعرف أسماءهم وأحوالهم. ومع رؤسائه سيفٌ، لا يهادن في الحق ولا يلين في الواجب. ومع الناس قدوةٌ، يجلس مع الأمير فيُجلّه، ويجلس مع الشيخ فيوقّره، ويجلس مع عامة الناس فيشعرهم أنهم في مقامٍ واحد. لا فوقية، ولا مسافة، جمع بين صرامة العسكرية ورقة القلب. كان مرجعاً في الرأي، ومشورةً تُطلب، وتاريخاً يُستند إليه. عرف قدر العلم والأدب، فكان مجلسه لا يخلو من حديثٍ عن الوطن والتاريخ والقبيلة، ويُصغي أكثر مما يتكلم، وإذا تكلم أستمع الجميع.
أبو يزيد لم يكن مجرد ضابط كبير، بل كان جامعاً. يجمع ولا يفرّق، يقرب ولا يُبعد، يصلح ولا يُفسد. بابه مفتوح، ووجهه بشوش، وقلبه يتسع للجميع.
إلى الإخوة الكرام وأبنائهم وذويهم، يا من رُبيتم على الشهامة والمروءة، يا من عُرفتم بالفزعة والنخوة، أعظم الله أجركم. فقدكم ليس فقد ثلاثة إخوة فقط، بل فقد السند بعد الله، والظهر، وكبار البيت الذين كانت كلماتهم ميزاناً.
رحم الله: اللواء محمد بن شاهر، والشيخ علي بن شاهر، واللواء ضاحي بن شاهر، نقول لكم: اصبروا واحتسبوا، فوالله إن ما تركوه من أثرٍ طيب، وسيرةٍ عطرة، ودعاءٍ من الناس، لهو العزاء الأكبر. فقد تركوا لكم إرثاً لا يُباع ولا يُشترى سمعة طيبة وذكراً حسناً.
اللهم اجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، واجعل ما قدموه في ميزان حسناتهم، وبارك في ذريتهم وخلفهم.
اليوم فقدتم علماً من أعلامكم، ورجلاً كان مرجعاً لكم. ولكن العزاء أنّ الرجال لا تموت، ما دام ذكرها حياً في المجالس.
عزاؤنا فيكم أنكم أهلٌ للثبات، وأنكم ستحملون الراية بعده، وتحفظون سيرته كما حفظ هو سيرة آبائه.
لقد كان اللواء ضاحي جسراً بين الأجيال، وبين القبيلة والوطن، وبين المنصب والتواضع. وموته خسارة، لكن الخسارة الأكبر أن ننسى درسه الهام من هذه الحياة: أن المناصب زائلة، وأن ما يبقى هو الخُلق.
رحم الله أبا يزيد وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجعل ما قدم في ميزان حسناته، وبارك في ذريته وخلفه.
عظّم الله أجر الجميع، وغفر لميتنا، وألهم أهله وذويه وقبيلته ومحبيه الصبر والسلوان .



