ترانيم العابرين: في فلسفة الانتظار وسيرة الرماد

✍️ديمة الشريف – كاتبة سعودية :
يتحول المطار في لحظات الانتظار من مجرد محطة عبور إسمنتية إلى برزخ زماني ومكاني تتكثف فيه مشاعر الإنسانية بأكملها. في تلك الصالة الفسيحة المضاءة بنيون بارد ومحايد، يجلس العابرون كتماثيل مؤقتة في فضاء لا ينتمي لأحد. الحقائب المجرورة على الأرضيات الرخامية الملساء تصدر إيقاعاً رتيباً يشبه بندول ساعة عملاقة تؤرخ للوقت الضائع، بينما تتداخل نداءات الرحلات عبر مكبرات الصوت كترتيل جنائزي يودع المغادرين ويستقبل القادمين في لغة مشتركة من القلق والشغف.
على طاولة خشبية صغيرة منزوية، استقر كوب من عصير الليمون والنعناع المثلج. كانت قطرات الماء تتكثف على جداره الزجاجي الخارجي، تنحدر ببطء شديد كدموع كسولة تقاوم الجاذبية، مخلّفة وراءها مسارات دافئة على جسد الكوب البارد. هذا المشروب، بروعته القارصة، كان الجسر الوحيد الذي يربطني باللحظة الحاضرة، واحة حية وسط قحط الرخام والمعادن وسقوف المطار الشاهقة التي تبتلع همسات البشر.
بجوار الكوب، تمددت رواية “ما تبقى من رماد” للكاتب الإسباني خوان كروث إغيرابيدي، بنسختها المترجمة إلى العربية بقلم محمد صبري عبد الفتاح. لم يكن اختيار الكتاب عشوائياً، بل بدا وكأن الأقدار نسجت خيطاً سرياً بين جغرافيا الرواية وجغرافيا المكان. فبينما تقلب أصابعي الصفحات التي تروي حكاية صبي من إقليم الباسك في ستينيات القرن الماضي، يتأمل تحولات قريته الريفية وعلاقته بمعلمته، كنت أجد نفسي غارقاً في فلسفة الفقد والذاكرة. الرواية لا تتحدث عن الماضي كمجرد زمن مضى، بل كرماد خلفته حرائق العمر، رماد ناعم يرفض الزوال، ويصر على أن يترك أثراً داكناً في ثنايا الروح.
هناك تناغم غريب بين صالة الانتظار وهذا العمل الأدبي. فالانتظار في جوهره هو عيش في الرماد؛ مرحلة رمادية تقع بدقة بين اشتعال المغادرة وانطفاء الوصول. في المطار، يصبح الجميع متساوين في “اللاعضوية”، إذ يفقد المرء هويته اليومية ليصبح مجرد رقم رحلة أو تذكرة صعود. والكاتب إغيرابيدي يأخذنا في روايته إلى تلك المنطقة الرمادية من الهوية الجمعية والفردية لإقليم الباسك في مرحلة مخاضه السياسي والاجتماعي.
أخذت رشفة عميقة من المشروب البارد، فانساب الانتعاش اللاذع في حلقي ليعيد إليّ توازني وسط هذا الصخب الصامت. نظرت من خلال الواجهة الزجاجية الضخمة للصالة، حيث تبدو الطائرات الرابضة على المدرج كطيور معدنية عملاقة مقيدة، تنتظر بدورها إشارة الانعتاق. عدت إلى الكتاب، أفتش بين سطوره عن إجابات لأسئلة السفر الحقيقية: هل نهرب بالرحيل من رماد ذواتنا، أم أننا نحمله معنا في حقائبنا أينما ذهبنا؟
بين برودة الليمون .
كانت صالة الانتظار تتلاشى تدريجياً، ليبقى الأدب وحده هو الملاذ الحقيقي، الوطن البديل الذي نسكنه عندما تتقطع بنا سبل الاتجاهات.



