اسند أخاك من غدر الزمان

✍️ طاهرة الشامسي – كاتبة عمانية :
ليس كل من يبتسم بخير، وليس كل من يصمت مطمئنًا. هناك قلوبٌ تُخفي خلف هدوئها حروبًا لا يسمع ضجيجها أحد، وأرواحٌ أنهكها الزمن حتى أصبحت تتكئ على الصبر أكثر مما تتكئ على القوة. لذلك، إذا وجدت لك أخًا في هذه الحياة، فكن له سندًا قبل أن يبحث عن كتفٍ غريب، وكن له عونًا قبل أن تثقل كاهله الأيام.
اسند أخاك من غدر الزمان، فالزمن لا يستأذن حين يوجع، ولا يطرق الأبواب قبل أن يحمل معه خسارةً أو وجعًا أو خيبةً أو فراقًا. قد يأتي يومٌ يحتاج فيه إلى كلمةٍ منك، فتكون عنده أثمن من المال، وقد يحتاج إلى وقوفك إلى جانبه، فتكون تلك الوقفة سببًا في نجاته من الانكسار.
ليس السند أن تُغدق عليه الهدايا، ولا أن تملأ يديه بما تملك، بل أن تملأ قلبه يقينًا بأنه ليس وحده. أن يشعر أن هناك من يشاركه أعباء الحياة، ويقتسم معه الأحزان قبل الأفراح، ويطمئن عليه إذا غاب، ويبحث عنه إذا طال صمته، ويشد على يده إذا تعثرت خطواته.
كم من إنسانٍ أسقطته الحياة لأنه واجهها وحده، وكم من آخر نهض من بين الركام لأن يدًا صادقة امتدت إليه في الوقت المناسب. فليس كل علاج دواء، وليس كل نجاة معجزة، أحيانًا تكون النجاة أخًا يقول لك: (أنا هنا، لن أتركك).
الدنيا متقلبة، واليوم الذي ترى فيه أخاك قويًا قد يأتي عليه غدٌ يحتاج فيه إلى من يقويه. فلا تغتر بقوة الرجال، فإن لكل قلبٍ لحظة ضعف، ولكل جبلٍ شقوقٌ لا يراها الناس. وما أجمل أن يجد الإنسان في أخيه مأمنًا حين تضيق به السبل، ورفيقًا حين تشتد عليه الخطوب.
إذا رأيته مثقلًا بالهم، فلا تكثر عليه الأسئلة، بل خفف عنه بالحضور. وإذا رأيته صامتًا، فلا تعاتبه على صمته، بل كن بجواره حتى يعود إليه الكلام. وإذا أخطأ، فلا تكن أول من يرميه بالحجر، بل كن أول من يأخذ بيده نحو الصواب. فالأخوة ليست علاقة دمٍ فقط، بل مواقف تُثبت أن المحبة أصدق من الكلمات.
كم من بيوتٍ حفظها الله لأن الإخوة كانوا يدًا واحدة، وكم من عائلاتٍ تفرقت لأن كل واحدٍ منهم انشغل بنفسه، وترك أخاه يواجه العواصف وحده. فالقلوب إذا تساندت، خفَّت أثقال الحياة، وإذا تفرقت، أثقلتها أبسط الهموم.
لا تنتظر من أخيك أن يطلب العون، فالكبار كثيرًا ما يُخفون حاجتهم حياءً أو كبرياءً. بادر إليه، واسأله عن حاله، وشاركه حمله، وامنحه من وقتك واهتمامك قبل أن تمنحه من مالك. فرب دقيقة صدق، ورب احتواء صادق، يحييان في القلب أملًا كاد أن ينطفئ.
وتذكر دائمًا أن الأيام دوّارة، فمن تسنده اليوم، قد يكون هو سندك غدًا. ومن تمسح دمعته الآن، قد يكون أول من يمسح دمعتك حين تتغير الأحوال. فازرع الخير في طريق إخوتك، فإن الحياة تعيد إلينا ما نزرع، وربُّ العالمين لا يضيع أجر من أحسن إلى أخيه.
اسند أخاك من غدر الزمان، فالدنيا لا تدوم على حال، والوجوه تتغير، والمصالح تنتهي، لكن الأخ الصادق يبقى نعمةً عظيمة، وظلًا وارفًا في قيظ الحياة، وسفينة نجاةٍ حين تتلاطم أمواج المحن.
ختامًا ..
طوبى لمن كان لأخيه قلبًا قبل أن يكون قريبًا، وسندًا قبل أن يُطلب منه، ورحمةً قبل أن يتحدث الآخر عن ألمه. فالأخوة الحقيقية ليست كلماتٍ تُقال في المناسبات، بل أفعالٌ تُكتب في صحائف الوفاء، وتبقى شاهدةً على نبل أصحابها ما بقيت الحياة.
للتواصل : [email protected]



