كتاب الرأي

لحن الصمت

​من ملفات المحقق سمير

        ✍️سمير الشحيمي – كاتب عماني :

​كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحًا، والدخان يتصاعد ببطء من غليون المحقق (سمير) وهو يقلب صفحات ملف قديم. المكان هذه المرة لم يكن مكتبه، بل مسرح جريمة غريب في قبو “دار الأوبرا القديمة” المهجورة في وسط المدينة.
​لم تكن هناك دماء، ولا آثار عراك، ولا جثة بالمعنى التقليدي.
​في منتصف القبو المظلم، كان هناك بيانو قديم من خشب الأبنوس، يجلس أمامه عازف الشهير بالمدينة (إلياس)، ولكنه كان غائبًا عن الوعي تمامًا كأنه جثة هامدة، ويداه مربوطتان بخيوط حريرية سوداء ممتدة إلى السقف، تجعله يتحرك كدمية “ماربونيت” معلقة.
​اقترب سمير بخطوات هادئة، وصوت حذائه يتردد في أرجاء القبو. اقترب من البيانو ليجد نوتة موسيقية مفتوحة أمامه، لكن بدلاً من النوتات التقليدية، كانت الأوراق تحتوي على رسم لدقات قلب متوقفة، وعبارة واحدة مكتوبة بحبر أحمر داكن:
​«الصمت هو الموسيقى الوحيدة التي لا تكذب. لقد سرقتُ صوته، والدور القادم على أفكارك.»
​فوق مفاتيح البيانو البيضاء، كانت هناك قطعة شطرنج واحدة: “الملكة السوداء”، وتفوح منها رائحة غريبة ومألوفة لسمير… رائحة “عطر البارود الخفيف الممزوج بزهر الليمون”.
​أدرك سمير أن المجرم هنا ليس قاتلاً عاديًا، بل مجرم يبحث عن السيطرة المطلقة على ضحاياه عبر سلبهم أغلى ما يملكون؛ فقد سلب العازف قدرته على العزف والكلام بجرعة مخدرة نادرة، وتَرَكه سجينًا داخل عقله.
​قادت الخيوط الحريرية والعطر النادر سمير إلى أزقة المدينة القديمة، وتحديدًا إلى صانع آلات موسيقية متقاعد يُدعى (مهران). تحت ضغط المحقق وهيبته الصارمة، اعترف مهران بخوف وهو يرتجف:
— “هناك شخص يُدعى (المايسترو)… يأتي في الظلام، يشتري الخيوط الناعمة والزيوت العطرية، ويقول إن المدينة مليئة بالضوضاء والادعاء، وأنه جاء ليفرض ‘الصمت المقدس’ على الجميع!”
​كلما اقترب سمير من حل اللغز، كان “المايسترو” يترك له أثرًا شخصيًا يثبت أنه يعلم كل خطواته.
​في اليوم التالي، وجد سمير على باب شقته علبة مخملية صغيرة. عندما فتحها، وجد بداخلها ساعة رملية صغيرة تنزل منها الرمال باللون الأسود، وتحتها ورقة صغيرة بها إحداثيات لموقع الجريمة القادمة… وكانت الإحداثيات تشير إلى بيت المحقق سمير نفسه!
​دخل سمير شقته، وشعر بوجود شيء غريب. على الطاولة في الغرفة المظلمة، كانت هناك قطعة الشطرنج ذاتها: “الملكة السوداء”، وصوت راديو قديم يعمل فجأة ليبث تسجيلًا لصوت سمير وهو يتحدث في إحدى القضايا القديمة، لكن التقطيع في الصوت كان يُشكّل جملة جديدة: «أنا أسمع أفكارك يا سمير… والصمت يترصدك».
​وقف سمير في منتصف الغرفة، ونظر نحو الظل الممتد خلف الستارة. لم يركض، ولم يسحب سلاحه، بل ابتسم ابتسامة هادئة ملؤها التحدي، وقال بصوت وثيق:
— “الضوضاء الحقيقية في رأسك أنت يا مايسترو… واللحن الأخير سيكون من عزفي.”
​أخرج سمير مفكرته ذات الغلاف الجلدي الداكن، وكتب بخط عريض:
«قضية لحن الصمت؛ المجرم يعتقد أنه يقود الأوركسترا، لكنه نسي أن المحقق هو من يكتب النهاية.»
​أغلق المفكرة، وهو يعلم أن المعركة النفسية هذه المرة لن تتطلب فك رموز فحسب، بل مطاردة في أزقة العقل والعتمة.

انتهت.
للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى