الأخبار المحلية

ثقافة الاستعراض.. عندما تطغى الصورة على الجوهر

عنوان – غرفة الأخبار : 

هناك فرق واضح بين توثيق اللحظات الجميلة وتحويل المجتمع إلى مسرح دائم للاستعراض. وما تشهده بعض منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما “سناب شات”، يستدعي التوقف والتأمل بعد أن تجاوزت بعض الممارسات حدودها الطبيعية.

في الماضي، كانت المناسبات الاجتماعية مساحة لصلة الرحم، وإكرام الضيف، وتعزيز أواصر المحبة. أما اليوم، فقد أصبحت عدسة الهاتف حاضرة قبل الضيوف، حتى غدا تصوير الولائم واستعراض تفاصيلها لدى البعض أهم من المناسبة نفسها.

وتحوّلت الولائم إلى منافسة غير معلنة حول حجم الموائد وتنوع الأصناف وجودة التصوير، وكأن قيمة الكرم تُقاس بعدد المشاهدات، لا بحسن الضيافة وصدق المشاعر. وأسهم هذا التوجه في ترسيخ ثقافة المباهاة، وفرض ضغوط اجتماعية على كثير من الأسر التي قد تلجأ إلى الإنفاق المبالغ فيه لمجاراة هذا المشهد . 

وامتدت الظاهرة إلى التوسع في إطلاق لقب “رجل أعمال” دون معايير واضحة، حتى أصبح يُستخدم في غير موضعه. فرجل الأعمال الحقيقي يُعرف بإنجازاته الاقتصادية، واستثماراته، وإسهامه في التنمية وخلق فرص العمل، وليس بلقب يُمنح على سبيل المجاملة أو الترويج الإعلامي.

كما برزت ظاهرة الاحتفاء بافتتاح المجالس الخاصة، وإقامة مناسبات مصحوبة بتغطيات إعلامية وتصوير مكثف، وكأنها افتتاح لمشروع عام. بينما كانت المجالس في المجتمع السعودي، على الدوام، رمزًا للكرم والتواصل، وتستمد قيمتها من روادها وما يدور فيها من حوار، لا من عدد المقاطع المنشورة عنها.

وليس المقصود من هذا الطرح معارضة النجاح أو الكرم أو توثيق اللحظات الجميلة، وإنما الدعوة إلى الحفاظ على التوازن، وألا تتحول كل مناسبة إلى استعراض، وكل شخص إلى مشهور، وكل تاجر إلى رجل أعمال، وكل مجلس إلى حدث إعلامي.

لقد تأسس المجتمع السعودي على قيم التواضع والبساطة والصدق، وهي قيم تستحق أن تبقى حاضرة في ظل التحولات الرقمية. فالألقاب تُكتسب بالإنجاز، والكرم يُعرف بالفعل، والمكانة الحقيقية يصنعها احترام الناس، لا أعداد المشاهدات .

وفي ظل اتساع هذه المظاهر، يبقى السؤال مشروعًا: هل ما نشهده اليوم يمثل تطورًا في أساليب التواصل، أم أنه انعكاس لهيمنة ثقافة الاستعراض على حساب جوهر القيم الاجتماعية .

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى