رحيل جسد وبقاء أثر.. “بيشة تستذكر سيرة الشيخ سعد العامري “المطوع” الذي عاش قرناً وثلثاً في خدمة العلم والإصلاح

عنوان – بيشة – المدراء -بدرية المليحي:
في صفحات التاريخ المحلي لمحافظة بيشة، تبرز شخصيات استثنائية تركت بصمات لا تُمحى في مسيرة التعليم والإصلاح الاجتماعي. ومن بين هذه القامات، يبرز اسم الشيخ سعد بن علي بن عامر العامري، المعروف بلقب “المطوع”، الذي عاش قرابة 130 عاماً حافلة بالعطاء والعمل الدؤوب في خدمة مجتمعه وقريته “المدراء”، حتى غدت سيرته نموذجاً يُحتذى به في العصامية والزهد والتقوى.
ولد الشيخ سعد العامري في قرية “المدراء” التابعة لقبيلة بني عامر بمحافظة بيشة عام 1292 هـ، ونشأ في بيئة كانت تفتقر إلى وسائل التعليم الحديثة. ورغم شُحّ الإمكانيات في ذلك الزمن، استطاع أن يكون من أوائل المتعلمين في منطقته، حيث أتقن القراءة والكتابة ونال لقب “المطوع” بجدارة.
لم يحتكر الشيخ علمه لنفسه، بل سخّره لخدمة أبناء قريته عبر:
تأسيس حلقة تعليمية: ساهم بشكل رائد فيمحو أمية العشرات من أبناء القرية وتدريسهم مبادئ القراءة والكتابة.
تحفيظ القرآن الكريم: تخرّجت على يديه أجيال متعاقبة نهلت من علوم الدين والقرآن.
إمامة المصلين: تولى إمامة مسجد قرية المدراء لسنوات طويلة، فكان قدوة في ورعه، وحسن خلقه، وتوجيهه المستمر للناس نحو التمسك بالقيم الإسلامية.
لم يقتصر دور الشيخ سعد “المطوع” على الجانب التعليمي والشرعي فحسب، بل كان مرجعية اجتماعية وقاضياً عرفياً يشار إليه بالبنان في حل النزاعات وقسمة الحقوق (“مقطعاً للحق”).
بفضل حكمته وعدالته، تم اختياره ليكون من أبرز رجال لجنة إصلاح ذات البين في محافظة بيشة، حيث بذل جهوداً كبيرة في تقريب وجهات النظر ورأب الصدع بين المتخاصمين، مما أكسبه مكانة رفيعة واحتراماً واسعاً لدى القبائل والأهالي.
كان الشيخ نموذجاً فريداً في قوة العزيمة والإيمان؛ إذ أدى فريضة الحج سيراً على الأقدام لأكثر من مرة، قاطعاً مئات الكيلومترات في زمن كانت فيه الرحلات محفوفة بالمشاق والمخاطر.
وعلى الصعيد العمراني والتراثي، يرتبط اسم الشيخ بـ قصر أثري تاريخي بناه في قرية “المدراء”، ولا تزال بقايا هذا القصر قائمة حتى يومنا هذا، كشاهد عيان على حقبة تاريخية هامة، ورمزاً لمكانته الاجتماعية ودوره القيادي في مجتمعه.
عُرف عن الشيخ سعد العامري طوال حياته الزهد الشديد والقناعة، والحرص على كسب الرزق الحلال، وظل يتمتع بنشاطه وحضور ذهنه حتى وفاته الطبيعية في يوم الأربعاء، 2 ذو القعدة 1422 هـ، حيث ووري جثمانه الثرى في مقبرة قرية “المدراء”.
وقد ترك الشيخ وراءه وصية جامعة لأبنائه ومجتمعه، ركزت على:
1. المحافظة على الصلاة في أوقاتها.
2. بر الوالدين وصلة الرحم.
3. الاستمرار في طلب العلم والتمسك بمكارم الأخلاق.
رحل الشيخ سعد العامري “المطوع” جسداً، لكن إرثه في الإمامة، والتعليم، والإصلاح، سيبقى حياً في ذاكرة أهالي بيشة وقريته التي أحبها وأحبته.



