الزعل الطويل… حين تصبح القلوب سجينة الصمت

✍️ أ – محمد علي كريري- كاتب سعودي:
ليس الزعل عيبًا، فهو شعور إنساني يولد عندما تُجرح المشاعر أو تُكسر الثقة أو تخيب التوقعات. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الزعل من موقف عابر إلى إقامة دائمة داخل القلب، فيصبح عبئًا يثقل الروح، ويبدد أجمل العلاقات، ويجعل الصمت لغةً بين من كانوا يومًا أقرب الناس إلى بعضهم.
كم من علاقة أسرية تصدعت بسبب كلمة لم تجد من يفسرها، وكم من صديقين افترقا لأن كليهما انتظر الآخر ليبدأ بالصلح، وكم من قلوبٍ كانت تنبض بالمودة، أرهقها طول الخصام حتى اعتادت الغياب، وأصبح اللقاء بينها غريبًا بعد أن كان مألوفًا.
الزعل إذا طال، لم يعد عقوبة للطرف الآخر، بل أصبح عقوبة لصاحبه. فهو يسرق راحة النفس، ويستهلك التفكير، ويجعل الإنسان أسيرًا لماضٍ لا يستطيع تغييره، بينما تستمر الحياة في المضي دون أن تنتظر أحدًا.
ولعل أجمل ما يميز الإنسان الناضج هو قدرته على التسامح. فالتسامح ليس ضعفًا، ولا تنازلًا عن الحقوق، ولا قبولًا بالإساءة، بل هو قرار شجاع يحرر القلب من ثقل الضغائن، ويمنح النفس سلامًا لا يُشترى.
لقد علمنا ديننا الحنيف أن العفو من أعظم الأخلاق، وأن الإصلاح بين الناس عبادة، وأن من يعفو ويصفح إنما يرتقي بنفسه قبل أن يرفع قدره بين الناس. فما أجمل أن يسبق الإنسان غضبه بحكمة، وعتابه بعذر، وخصامه بمحاولة صادقة للإصلاح.
وفي مجتمعنا، حيث تقوم العلاقات على صلة الرحم والتآلف والمحبة، تزداد الحاجة إلى نشر ثقافة الاعتذار وقبول الاعتذار، وإحياء قيمة التسامح التي تحفظ البيوت من التصدع، وتحمي الصداقات من الانكسار، وتقوي أواصر المجتمع.
ولعل أجمل المبادرات هي تلك التي تبدأ بكلمة: “سامحني”، أو برسالة صادقة، أو بمصافحة تذيب سنوات من الجفاء. فكم من خلاف انتهى بابتسامة، وكم من خصومة طواها لقاء صادق، لأن أصحابها أدركوا أن الإنسان أكبر من أن يبقى أسيرًا للعتاب.
ختامًا
لن نتفق مع الجميع، ولن تخلو حياتنا من المواقف المؤلمة، لكننا نستطيع أن نختار كيف نتعامل معها. فإما أن نحمل الزعل معنا حتى يرهق أرواحنا، أو نفتح نافذة للتسامح يدخل منها السلام إلى قلوبنا.
فالقلوب خُلقت لتنبض بالمحبة، لا لتُرهقها الخصومات، والحياة أقصر من أن تُهدر في زعلٍ طال أكثر مما يستحق.
للتواصل : [email protected]



