التراث الثقافي.. هوية تُصان وإرثٌ يستحق البقاء

✍️وهيب شاهين – كاتب سعوي :
في عالم تتسارع فيه مظاهر الحداثة وتتغير أنماط الحياة، يبقى التراث الثقافي الركيزة التي تستند إليها هوية الشعوب، والمرآة التي تعكس تاريخها وقيمها وحضارتها. فهو ليس مجرد مبانٍ تاريخية أو قطع أثرية أو موروثات شعبية، بل هو سجل حي يروي قصة الإنسان، ويحفظ ذاكرة المكان، ويمنح الأجيال شعورًا بالانتماء والاعتزاز بجذورها.
وقد أدركت المملكة العربية السعودية مبكرًا أهمية المحافظة على تراثها الثقافي، فوضعت هذا الملف ضمن أولوياتها الوطنية، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت من الثقافة والتراث عنصرًا أساسيًا في بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وشهدت السنوات الأخيرة جهودًا كبيرة في تأهيل المواقع التاريخية، وتسجيل عدد من المواقع والعناصر التراثية في القوائم الدولية، إلى جانب دعم الحرفيين، وتشجيع الصناعات التقليدية، وإقامة المهرجانات والفعاليات التي تعيد إحياء الموروث الوطني بأسلوب يجمع بين الأصالة والتطوير.
إن المحافظة على التراث ليست مسؤولية الجهات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية تبدأ من الأسرة، التي تغرس قيم الاعتزاز بالموروث، مرورًا بالمدرسة التي تعرّف الأجيال بتاريخ وطنهم، والإعلام الذي يوثق الإنجازات وينشر الوعي، وصولًا إلى كل مواطن يدرك أن حماية التراث تعني حماية الهوية الوطنية.
كما أن التراث الثقافي لم يعد قيمة تاريخية فحسب، بل أصبح موردًا اقتصاديًا وسياحيًا مهمًا، يسهم في تنشيط الحركة السياحية، وخلق فرص العمل، وتعزيز الصناعات الإبداعية، وإبراز الصورة الحضارية للمملكة أمام العالم. وكلما ازداد الاهتمام بالتراث، ازداد حضور الوطن على الخارطة الثقافية العالمية.
وفي محافظة ينبع، كما في بقية مناطق المملكة، تزخر الأرض بشواهد تاريخية ومواقع تراثية وموروثات اجتماعية تستحق العناية والتوثيق، فهي تمثل صفحات مضيئة من تاريخ الوطن، وتستحق أن تُعرَّف بها الأجيال والزوار، وأن تُحفظ باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية السعودية.
إن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على المحافظة على ما تركه لنا الأجداد، بل تمتد إلى توثيقه، وإحيائه، وتعريف الأبناء بقيمته، ليظل حاضرًا في الذاكرة والواقع معًا. فالأمم التي تحفظ تراثها، تحفظ مكانتها، وتبني مستقبلها بثقة، لأن من يعرف جذوره، يدرك جيدًا إلى أين يتجه.
فالتراث الثقافي ليس ماضيًا نروي قصصه، بل حاضرًا نعيشه، ومستقبلًا نصونه، وهويةً نفخر بها جيلاً بعد جيل .
للتواصل : [email protected]



