التقاعد… بداية مرحلة جديدة لا نهاية الحكاية

✍️ناهد شما – كاتبة أردنية :
كنت أشاهد برنامج صباح الخير يا عرب وتم طرح فكرة عن التقاعد فرغبت نشر هذه المقالة لأهمية هذا الموضوع :
يخطئ من يظن أن التقاعد هو نهاية العطاء، أو أن الإنسان بمجرد مغادرته مكتبه يفقد قيمته ودوره في الحياة. فالتقاعد ليس إعلانًا بانتهاء الإنجاز، بل انتقال إلى مرحلة جديدة تتغير فيها الوسائل، بينما تبقى الخبرة والعطاء والطموح قادرة على صناعة الفارق.
كثيرون يربطون هويتهم بالمنصب الذي يشغلونه، فإذا انتهى المنصب شعروا وكأن هويتهم قد تلاشت، مع أن الحقيقة أن قيمة الإنسان لا تُقاس بالكرسي الذي يجلس عليه، بل بما يحمله من علم، وتجربة، وحكمة، وأثر تركه في نفوس الآخرين.
إن سنوات العمل الطويلة ليست مجرد أرقام في سجل وظيفي، بل هي رصيد هائل من الخبرات والدروس التي لا يمكن تعويضها بسهولة. ومن المؤسف أن تُهمل هذه الثروة البشرية لمجرد أن صاحبها بلغ سن التقاعد، بينما لا تزال لديه القدرة على الإبداع، والتوجيه، والتدريب، والاستشارة.
ولعل من أهم ما ينبغي أن تدركه المؤسسات والشركات اليوم أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في قوة الجسد وحدها، بل في قوة العقل والخبرة. فالشباب يملكون الطاقة والحماس، أما أصحاب الخبرة فيملكون الرؤية، وحسن التقدير، والقدرة على اتخاذ القرار بعد سنوات من التجارب والنجاحات والإخفاقات التي صنعت منهم خبراء في مجالاتهم.
إن المجتمعات المتقدمة لا تنظر إلى المتقاعد على أنه خارج دائرة الإنتاج، بل تعتبره كنزًا معرفيًا يجب الاستفادة منه، وتفتح أمامه أبواب الاستشارات، والتدريب، والإرشاد، ونقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة، حفاظًا على تراكم المعرفة واستمرار التطور.
ولذلك فإن التقاعد لا ينبغي أن يكون تقاعدًا للعقل، ولا إغلاقًا لأبواب الطموح، ولا انسحابًا من الحياة، بل هو فرصة لإعادة اكتشاف الذات، والانطلاق في مجالات جديدة، وخدمة المجتمع بطرق مختلفة، بعيدًا عن ضغوط الوظيفة والتزاماتها.
فالإنسان ما دام عقله حيًا، وشغفه حاضرًا، ورغبته في العطاء مستمرة، فإنه لا يعرف التقاعد الحقيقي. فالأجساد قد تتقدم في العمر، لكن العقول المبدعة تبقى قادرة على البناء، والخبرة الصادقة تظل ثروة لا يحدها سن ولا يقيدها منصب.
كثير من الأشخاص مروا في حياتي بعد التقاعد أجدهم عملوا بنشاطات مختلفة وثقتهم بأنفسهم لم تجعلهم يتقاعسون عن تفريغ خبراتهم في الحياة
فلنجعل من التقاعد بداية لعطاء أكثر نضجًا، ولننظر إلى أصحاب الخبرات بعين التقدير والاحترام، فهم ذاكرة المؤسسات، وجسور المعرفة، وشركاء المستقبل، لا صفحات أُغلقت بانتهاء سنوات الخدمة.
للتواصل : [email protected]




شكرا لكل من يقرأ مقالاتي وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك