كتاب الرأي

2034… هل نبني مونديالًا أم نبني منتخبًا؟

       ✍️غالب السلامي – كاتب سعودي : 

عندما فازت المملكة العربية السعودية بحق استضافة كأس العالم 2034، كان الاحتفاء مستحقًا، فالحدث تاريخي بكل المقاييس، ويؤكد المكانة التي وصلت إليها المملكة على الصعيدين الرياضي والدولي. لكن وسط هذا المشهد المشرق، يبرز سؤال أكثر أهمية من الاستضافة نفسها: ماذا بعد؟

فالتاريخ لا يتذكر كثيرًا من استضاف البطولات، بقدر ما يتذكر من غيّر وجه اللعبة. والاستضافة، مهما بلغت من نجاح، ليست سوى محطة زمنية تنتهي بإطلاق صافرة النهائي، بينما يبقى الإرث الحقيقي فيما تُنتجه البطولة من أبطال ومنظومات رياضية قادرة على المنافسة لسنوات طويلة.

اليوم، الكرة السعودية تعيش طفرة غير مسبوقة؛ استثمارات ضخمة، ملاعب عالمية، حضور جماهيري، ودوري أصبح محط أنظار العالم. لكن كل هذه المكاسب ستفقد جزءًا من قيمتها إذا لم تنعكس على المنتخب الوطني، باعتباره الواجهة التي تختصر نجاح المشروع الرياضي بأكمله.

السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسؤول رياضي ليس: كيف سننظم أفضل كأس عالم؟ بل: كيف سيدخل المنتخب السعودي كأس العالم 2034؟ هل سيكون مجرد صاحب الأرض والجمهور؟ أم سيكون منافسًا حقيقيًا على الأدوار المتقدمة؟

إن بناء منتخب قادر على مقارعة كبار العالم لا يبدأ قبل البطولة بعامين أو ثلاثة، بل يبدأ اليوم. يبدأ من ملاعب الأحياء، ومن مدارس كرة القدم، ومن تطوير مسابقات الفئات السنية، ومن الاستثمار في المدرب الوطني، ومن اكتشاف المواهب في كل مدينة وقرية، لا من التعاقدات المؤقتة والحلول السريعة.

كما أن النجاح لا يُقاس بعدد النجوم العالميين الذين يلعبون في الدوري، بل بعدد اللاعبين السعوديين الذين يستطيعون الوقوف بثقة أمام تلك الأسماء، ثم تمثيل الوطن بأعلى مستوى في المحافل الدولية. فالاحتكاك فرصة، لكنه لا يتحول إلى إنجاز إلا إذا صاحبه عمل فني طويل النفس.

ولعل أكبر تحدٍ يواجه الكرة السعودية في المرحلة المقبلة هو تحقيق التوازن بين صناعة دوري قوي ومنتخب قوي. فكثير من الدول امتلكت دوريات ثرية، لكنها لم تستطع ترجمة ذلك إلى إنجازات دولية، لأنها أغفلت بناء اللاعب المحلي، وهو حجر الأساس لأي مشروع كروي ناجح.

كأس العالم 2034 ليس هدفًا بحد ذاته، بل اختبار حقيقي لمدى نجاح المشروع الرياضي السعودي. فإذا خرجنا من البطولة ونحن نملك جيلًا جديدًا من اللاعبين، ومدربين وطنيين أكفاء، وأكاديميات أكثر إنتاجًا، وثقافة كروية أكثر نضجًا، فسنكون قد حققنا الانتصار الحقيقي، حتى قبل حساب النتائج.

أما إذا انشغلنا بالملاعب، والاحتفالات، والأرقام القياسية في التنظيم، وأهملنا الاستثمار في الإنسان، فإن البطولة ستصبح ذكرى جميلة… لكنها عابرة.

وفي النهاية، سيكتب التاريخ سطرًا واحدًا فقط، وسيكون أمامنا خياران لا ثالث لهما: إما أن المملكة استضافت كأس العالم بنجاح، أو أنها استغلت كأس العالم لتصنع منتخبًا يبقى في ذاكرة العالم لعقود. وبين الخيارين، تُرسم ملامح مستقبل الكرة السعودية.

 

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى