كتاب الرأي

كيف حالكم

✍️راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي:

«يُخبِّئ الله لعباده في وجوه أحبتهم مواسمَ رحمة، ويجعل في الوصل حياةً للقلوب، فما انقطع عبدٌ عن أهله إلا وفاته من لطف الله ما لا يشعر به.»
لم تكن البيوت قديمًا أكبر مساحة، ولا كانت الموائد أكثر تنوعًا، ولا كانت الجيوب أثقل مالًا، لكن القلوب كانت أوسع، والخطوات إلى الأقارب كانت أقرب، والأعذار أقل، والمودة أكثر.
كان الناس يقطعون الصحاري على ظهور الإبل ليطمئنوا على خالةٍ مُسنّة، أو ليواسوا ابن عمٍ فقد عزيزًا، أو ليشاركوا قريبًا فرحته. واليوم، صارت المسافات تُختصر في ثوانٍ، بينما تتسع الهوة بين القلوب عامًا بعد عام.
يا للمفارقة الساخرة! اخترع الإنسان وسائل اتصال لا تُحصى، ثم استخدمها ببراعةٍ مذهولة ليتهرب من أبسط رسالة: «كيف حالكم؟»
صرنا نعرف تفاصيل حياة غرباء لم نلتقِ بهم قط، ونجهل ما إذا كانت عمتنا مريضة، أو إن كان ابن خالنا يمر بضائقة، أو إن كانت جدتنا تنتظر زيارةً تؤجلها انشغالاتنا كل أسبوع إلى الأسبوع الذي يليه.
تراجعت صلة الرحم لأن الإنسان المعاصر أقنع نفسه بأن الانشغال فضيلة، وأن الركض المستمر إنجاز، وأن تخصيص ساعةٍ للأهل رفاهية يمكن تأجيلها.
لكن الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الناس لم يعودوا فقراء وقت، بل فقراء أولويات.
لقد دخلت الفردانية إلى بعض البيوت متخفيةً في هيئة استقلالية، وتحولت الخصوصية المشروعة إلى عزلةٍ باردة، حتى صار بعضنا يخشى من زيارة أقاربه كما يخشى من موعدٍ رسمي ثقيل.
ومن المؤلم أن الخلافات الصغيرة أصبحت سببًا لقطيعةٍ كبيرة. كلمةٌ أسيء فهمها، أو موقفٌ عابر، أو ميراثٌ اختلفت حوله النفوس، فتُغلق الأبواب سنوات، وكأن أعمار البشر طويلة بما يكفي لهذا الجفاء.
وننسى أن الله جل جلاله، الواحد الأحد، الكريم الرحيم، هو الذي أمر بصلة الأرحام، وجعلها عبادةً تُرفع بها الدرجات، وتُستجلب بها البركات، وتُحفظ بها المجتمعات من التفكك والوحشة.
قال الله تعالى في محكم تنزيله:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦].
وقال سبحانه:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢-٢٣].
وفي الصحيحين، قال رسول الله ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه».
وقال ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعت رحمه وصلها».
إن عظمة صلة الرحم أنها لا تقوم على تبادل المصالح، بل على سمو الأخلاق، وعلى استجابة القلب لأمر الله وحده.
ولعل أجمل ما قيل في هذا المعنى ما نُسب إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس حين قال: «قوة الأمة تُستمد من سلامة الأسرة». أما الأديب الروسي ليو تولستوي فقد رأى أن «السعادة الحقيقية تبدأ من البيت». وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: «ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته».
ولأن التاريخ الإسلامي كان مدرسةً في الوفاء، تُروى قصةٌ عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، المعروف بسخائه وبره، أنه كان يتفقد أقاربه وأرحامه بنفسه، ويقول: «إني لأستحيي من الله أن يراني ذا مالٍ وقرابتي محتاجون إلى وجهي قبل مالي».
كانت فلسفة أولئك العظماء بسيطة وعميقة: الأقارب ليسوا عبئًا اجتماعيًا، بل امتدادٌ للروح.
وفي زمننا المعاصر، يروي أحد الشباب أنه كان منشغلًا بعمله سنواتٍ طويلة، يكتفي برسائل مقتضبة في المناسبات العائلية. وفي يومٍ ما، قرر أن يزور عمته التي تجاوزت السبعين من عمرها بعد انقطاعٍ دام أعوامًا.
ما إن فتحت له الباب حتى بكت.
لم تبكِ لأنها كانت بحاجة إلى مال، ولا لأنها كانت تنتظر هدية، بل لأنها كانت تنتظر أن يتذكرها أحد.
قالت له: «كنت أدعو الله كل ليلة أن أراك قبل أن أموت».
في تلك اللحظة، أدرك أن أكثر الأشياء قيمةً في هذه الحياة لا تُشترى، ولا تُرسل عبر التطبيقات، ولا تُختصر في رمز تعبيري.
إنها الحضور.
الحضور الذي يرمم القلوب، ويُطفئ وحشة الأيام، ويُعيد للإنسان شيئًا من إنسانيته.
إننا حين نصل أرحامنا، لا نمنّ على أحد، بل نهدي أنفسنا طمأنينةً لا تُشترى، ونمتثل لأمر الله سبحانه، الذي لا يأمر إلا بما فيه صلاح العباد.
فالله سبحانه هو الرحيم، وهو اللطيف، وهو البر، وهو الكريم، وقد جعل من صلة الرحم بابًا من أبواب رحمته الواسعة، ومن أسباب سعة الرزق وبركة العمر وحسن الذكر.
وربما لا يحتاج الأمر إلى أكثر من مكالمة، أو زيارةٍ خاطفة، أو رسالة صادقة تقول: «اشتقت إليكم».
فالعلاقات لا تموت فجأة، لكنها تذبل بصمت.
والأعمار أقصر من أن تُهدر في الخصام، والقلوب أنقى من أن تُرهقها القطيعة.
وحين نُعيد وصل ما انقطع، فإننا لا نُحيي علاقةً فحسب، بل نُحيي جزءًا جميلًا من أنفسنا.
لعل السؤال الحقيقي ليس: لماذا تراجعت صلة الرحم؟
بل: كم شخصًا ينتظر منك اليوم خطوةً صغيرة، لتعود الحياة إلى قلبه من جديد؟

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى