كتاب الرأي

«ليلةٌ في دار « الفقي»!!

 ✍️ محمد سلطان الأمير – كاتب سعودي :

لم تكن تلك الأمسية القديمة ليلةً عابرةً في سجلّ الأمسيات الشعرية التي تعقدها الأندية بين الفينة والأخرى، وإنما دون أدنى مواربة كانت مهرجانا نادراً وقف فيها الزمان على قدميه مستبشراً
وهو يصغي إلى اللآلئ والدرر المنضدة تنضيداً ماهراً أنيقاً وهي تداعب مسامع الحضور -من ذلك الجيل المستنير- وتتسرب إلى أقطار نفوسهم بانسياب وتؤدة بعيداً عن مظاهر التكلف وملابساته الفجة.
حدث ذلك المهرجان إبّان عهدٍ أدبيٍّ مشرق الأسارير بلغ فيه نادي جازان الأدبي أوج نشاطه وعطائه السابغ، وأعني تلك الحقبة الزمنية التي كان فيها الشاعر الرائد: محمد علي السنوسي ونائبه الشاعر الفذ المسكون بقضايا أمته والوطن والقضايا الكبرى :حسن أبوطالب القاضي – رحمهما الله، يضطلعان بهموم النادي وفعالياته ويتقاسمان مسؤولياته في مسيرتهما الحيوية النابضة بعشقهما المكين للغة الضاد وآدابها، واهتمامهما الواسع بتأدية رسالة النادي على الوجه الأكمل .
كانت بداية المهرجان حين رأى النادي أن يغامر بتوجيه دعوة لشاعر حجازي مرموق آثر العزلة والانطواء منهاجاً لحياته، وارتضى الصمت زاهداً في المنابر والملتقيات الأدبية مهما كانت المغريات المقدمة إليه،
ذلكم هو الشاعر الفيلسوف:محمد حسن فقي رحمه الله.
كانت الدعوات -من قِبل الأندية الأخرى- تتزاحم على باب الشاعر وهو يومئذٍ في ذروة توهّجه الشعري، فلم تستطع استمالته إليها أو الاستحواذ على صوته الشعري المتفرّد وكأن بينه وبين المجالس الأدبية العامة عهد فراقٍ أبدي غير قابل للنقض أوالإلغاء.
نافذته الوحيدة التي استحسنها هي النشر بسخاء في الصحف كالمدينة والرياض والمجلة العربية التي عمل فيها مستشاراً زمناً غير يسير.
وحدها دعوة نادي جازان هي التي لبّاها دون إبطاء أو تردد مؤثراً إياها عما عداها من الرّقاع .!
فأيّ سرٍّ هذا الذي جعل شاعر العزلة والانطواء يبارح محاريب صمته؟
وأيّ دعوة هذي التي استطاعت أن تكسر سياج الاعتذارات المتتالية تجاه الأندية المتسابقة لاستضافته؟
وقد أجاب الزمن بطبيعة الحال عن ذينك السؤالين وأمثالهما إجابة مقنعة يعرفها شداة الأدب والدارسون المنصفون ممن شهدوا تلك المرحلة التاريخية وواكبوا حركتها الشعرية المزدهرة هنا وهناك.
لقد كان الشاعر «الفقي-إن صح التعبير- «حالةً شعريةً فريدةً من نوعها في عالم الشعر الفلسفي المتين وفي التأملات الوجدانية العميقة المستقلّة التي امتاز بها عن مجايليه من كبار شعراء الحجاز، فلاغرابة إذن أن يطلق عليه «شاعر مكة» طالما أنه خارج حلبة المنافسة الشعرية أو بمعنى آخر نسيج وحده في عالم الكلمة الفينانة واللغة الشاعرة.
أولى «فن الرباعيات« اهتماماً خاصاً حتى كان بمثابة الفاتح الأول حيث دأب على نشرها في صحيفة المدينة عقوداً طويلة إلى جانب مطوّلاته المدهشة ،وفي ذلك الشأن أصدر في وقت مبكر ديواناً يتضمن تلك الرباعيات المركزة المكثفة.
ويعدّ ديوان: «قدر ورجل»،باكورة أعماله التي قدّم لها الأستاذ: محمد علي مغربي رحمه الله واصفاً إياها بقوله الدقيق الموجز :«نفسٌ تبحث عن نورها»مشيراً إلى أن هذا هو المفتاح الرئيسي لفهم عالم «الفقي«واكتشاف ماوراء تجاربه المسربلة بالألم من أسراروعذابات.
وقد أجمع قراء شعره ومتابعوه على حدة نظرته الكونية لما عرف به من نزعة تشاؤمية جعلت منه رمزاً
من رموز الاتجاه الرومانسي في الشعر السعودي الحديث.
وكان طبيعيًا – بهذه الروح الموارة – أن يختار العزلة اختياراً ذاتيا، وأن ينصرف إلى ذاته منغلقاً عليها، ينقب في دهاليزها المترامية غير عابئ بزخارف الحياة من حوله،على أننا لايمكن إغفال بعض النكبات الدامية التي تعرض لها كفقدان ولديه وهما في ميعة الصبا.
ولكم أن تقفوا في النصوص الآتية على رؤيته الحادة تلك ،كما في هذين البيتين:
مكبَّلٌ بقيودٍ لا  عدادَ لها
ولستُ أقوى على كسرٍ وتحريرِ

فكلُّ قيدٍ له عندي مكانته
يحتلّها من أحاسيسي وتفكيري!

وفي موضعٍ آخر يتفلسف قائلاً:

أتساوي الحياةُ بعضَ أساها
وهي تطوي نفوسَنا ومُناها؟!

حتى إذا بلغ أقصى درجات الشعور بالمرارة صدح قائلاً كالمعرّف بنفسه:
أنا كالعوسج لا يحلو ولا تُجنى ثماره!!

ونراه مرة يسكب لوعته قائلاً :
يافتاة اﻷقدار إن طريقي
موحشٌ موحشٌ فخلِّي سبيلي .

صوَّح روض شاعرنا فانطوى عن العالم انطواءً تاماً في وحدته التي ارتضاها لنفسه ضارباً حولها سياجاً منيعاً مما أتاح له أن يرسل زفراته وأناته الحائرة في قوالب شعرية سوداوية
ودونكم هذه المعزوفة الشجية :
أتراني أهوي جريحاً إلى القبر
وإلا مستشفياً من جروحي ؟

في فمي علقمٌ وفي الصدر جمرٌ
وهما يصليان جسمي وروحي

عشت بين الصروح أستمرئ العيش
ولكنني كرهتُ صروحي .

وتبدلت بالحياة التي كانتْ
حياةً غنيةً بالفتوح .

فاستحالا مرارتي ولهيبي
لرحيقٍ مبرّد للصبوح .

بهذا المزاج القَلِق وبذلك الوجدان الملتهب جاء «الفقي» إلى نادي جازان، كاشفا النقاب عن بعض عرائسه الشعرية الرصينة.
وقد أثار هذا الحضور دهشة الأوساط الأدبية يومئذ:
كيف خرج الفقي من صمته؟
ولِمَ اختار نادي جازان دون سواه؟
ولعل الجواب – كما يُقال – لبث
في قلب الشاعر حتى عبر الى الشاطئ الآخر.
وفي قاعة النادي وأمام احتشاد الحضور وجد (الفقي) نفسه محاطاً
بهالات من الاستقبال الشعري المهذب وخاصة من جانب أستاذنا حسن أبوطالب القاضي الذي تنبه إلى قيمة هذا الشاعر ومكانته الرفيعة
في أدب المملكة،فإذا به يفاجيء الحاضرين بقصيدة ترحيبية تفيض رقة ونبلاً وإجلالاً للشاعر الفيلسوف أطلق عليها «في دار الفقي».
قصيدةٌ استهلها بالغزل اللطيف الشفيف -على عادة القدماء-
تعد في نظري من أجمل ألحان استقبال ذوي المكانة من الشعراء النابهين .
وفي إطار اللطافة واللباقة التي تتمتع بها شخصية القاضي رحمه الله و لما امتاز به من رهافة في الذوق واﻹحساس وتقدير لذوي الفضل
أطلق على معزوفته: (في دار الفقي )،
وهاهي تتلألأ كيوم ميلادها :
وافتْ كفجرٍ بالسنا متألقِ
تيَّاهةً في خطوها المترفق

طوراً تميط لثامها فيلذّ لي
منها الوصال كأنني لم أسبق

وتحيد عني تارةً فأظنها
ضاعت ؛وأحسب أنها لم تخلق.

ياهذه رفقاً بعاشقك الذي
غير القوافي قلبه لم يعشق

أنت التي أسهرتِ جفني في الدجى
لولاكِ ما اشتعل المشيبُ بمفرقي

لا تشمخي صَلفاً فإني في الهوى
سهل الخليقة فاستكيني وارفقي

ويمضي قائلاً بالغاً بقصيدته الفاتنة مايسمى «ببراعة التخلّص» وذلك
في قوله الشفاف يخاطب معشوقته:
أنسيتِ يا بنتَ الكرام بأنّه
كلُّ القوافي الغُرِّ في دار الفقي!

وإلى الشاعر الفقي يلتفت خالعاً عليه
هذه الصفات الأدبية الاستثنائية ،فيقول:

الشاعر العملاق من نظم السنا
دراً وبعضُ مُحاره لم يفلق

خفقت قلوبُ الغانيات لشدوه
طرباً وهامت بالسلاف المشرقي

وتزاحم الورَّاد حول نميره
هذا يعبُّ وذا بذوق يستقي !

يا أيها الموهوب معذرةً إذا
بخل القريضُ ولم يكن بموفق

هات أغانيكَ العِذاب فكلنا
قلبٌ لفيض عطائك المتدفق

فأرحْ مسامعنا وهوِّم في دنى
من فيض إلهام البيان وحلِّقِ .

كان من الطبيعي أن تنفجر القاعة ليلتها بالتصفيق الحار والثناء العاطر في مشهد أدبي نوعي نابض بالحياة بل هو مهرجان قل نظيره في سماء الأدب المعاصر.

لقد كانا من الظواهر الشعرية النادرة في كل زمان ومكان .
رحم الله رحمة الأبرار الشاعرين العملاقين محمد حسن فقي،شاعر مكة.
وأستاذنا شاعر جازان الخالد في ذاكرة الزمان :حسن أبوطالب القاضي.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى