كتاب الرأي

أدب التنافس.. أن تنجح دون أن تتمنى تعثر الآخرين

         ✍️وهيب شاهين – كاتب سعودي :

من أجمل القيم الإنسانية التي ترتقي بالمجتمعات وتدفعها نحو التقدم قيمة التنافس الشريف، ذلك التنافس الذي يقوم على الاجتهاد وبذل الجهد والسعي إلى التميز دون الإضرار بالآخرين أو التقليل من إنجازاتهم. فالحياة بطبيعتها ميدان واسع للتنافس في العلم والعمل والثقافة والفنون وسائر مجالات العطاء، لكن الفرق كبير بين من يتنافس ليحقق النجاح، ومن يتنافس ليرى الآخرين يفشلون.

إن أدب التنافس يبدأ من قناعة راسخة بأن النجاح ليس حكراً على أحد، وأن ما كتبه الله للإنسان سيأتيه مهما طال الطريق. لذلك فإن الشخص الواثق من قدراته لا يخشى نجاح غيره، بل ينظر إليه بوصفه تجربة ملهمة يمكن الاستفادة منها، وفرصة للتعلم والتطوير. أما الحسد فيجعل صاحبه أسيراً للمقارنة المستمرة، منشغلاً بمراقبة الآخرين أكثر من انشغاله ببناء ذاته.

وفي مختلف الميادين نرى نماذج مشرقة لأشخاص جمعوا بين التميز والأخلاق، فكانوا يدعمون زملاءهم ويباركون نجاحاتهم ويقدمون النصح والمساندة للمبتدئين. هؤلاء أدركوا أن الإنجاز الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يكون مقروناً بالقيم النبيلة والاحترام المتبادل. فكم من موهبة أُحبطت بسبب الحسد، وكم من مشروع تعثر بسبب المنافسة غير الشريفة، وكم من علاقة إنسانية تضررت بسبب الرغبة في التفوق بأي وسيلة.

إن الحسد لا يغير الأقدار، ولا يزيد صاحبه نجاحاً أو مكانة، بل يستهلك طاقته ويحرمه متعة الإنجاز الحقيقي. فالإنسان حين ينشغل بإسقاط الآخرين يفقد الوقت الذي كان من الممكن أن يستثمره في تطوير نفسه وتحقيق أهدافه. ولهذا كانت الحكمة تقول: “ازرع نجاحك بيدك، ولا تنتظر سقوط غيرك لترتفع.”

وفي الوسط الثقافي والإعلامي والفني على وجه الخصوص، تظهر أهمية أدب التنافس بصورة أكبر، لأن هذه المجالات تقوم على الإبداع وتبادل الخبرات والتأثير الإيجابي في المجتمع. فكل نجاح يحققه مبدع هو إضافة للمشهد الثقافي بأكمله، وكل مبادرة ناجحة تفتح أبواباً جديدة للعطاء والإلهام. ومن هنا يصبح دعم الآخرين والاحتفاء بإنجازاتهم جزءاً من نجاحنا نحن أيضاً.

إن المجتمعات التي يسود فيها الاحترام والتقدير المتبادل قادرة على صناعة منجزات أكبر وأكثر استدامة من المجتمعات التي تستهلك جهودها في الصراعات الشخصية والمنافسات السلبية. فالتعاون لا يلغي التنافس، بل يهذبه ويمنحه بعداً أخلاقياً يجعل الجميع رابحين.

ويبقى أدب التنافس علامة على نضج الإنسان ورقيه؛ فليس النجاح أن تكون الأول فحسب، بل أن تصل إلى القمة وأنت تحمل قلباً نقياً، وتترك خلفك أثراً جميلاً وكلمة طيبة وعلاقة قائمة على الاحترام. عندها فقط يصبح النجاح إنجازاً حقيقياً يستحق الفخر، وتصبح المنافسة وسيلة للبناء لا للهدم، وللارتقاء لا للإقصاء .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى