كتاب الرأي

وسيطاء الحفن ذاكرة المزارع وهيبة الكبار

✍️أ . د . محمد شايع الشايع – أكاديمي وكاتب.        بجامعة الملك سعود : 

في القرى القديمة لا تحفظ الذاكرة أسماء الأمكنة فقط، بل تحفظ الرجال الذين صنعوا للأمكنة قيمتها، وحولوا البيوت إلى مضافات، والمجالس إلى مواطن أمان، والوجوه إلى معالم يهتدي بها الناس في الشدائد قبل الأفراح. وهناك في وسيطاء الحفن، بين مزارع الحنطة والنخيل، بقيت الحكايات تُروى عن رجالٍ ارتبطت أسماؤهم بالكرم، والحكمة، وهيبة الحضور.

قبل زمن التوحيد والاستقرار، كانت الحياة أشد قسوة، والخوف جزءًا من تفاصيل الطريق، وكان المسافر يبحث عن بيتٍ يأمن فيه قبل أن يبحث عن الراحة. وفي تلك الأزمنة كانت منازل الكبار أشبه بمحطات طمأنينة للعابرين، تُفتح أبوابها للضيف وابن السبيل، وتوقد فيها النار للقادم من بعيد، فلا يُسأل عن اسمه قبل أن يُكرم، ولا عن حاجته قبل أن يُطمأن.

وفي وسيطاء الحفن لم تكن المضافات مجرد مجالس، بل كانت صورة حقيقية لمعنى الشهامة والتكافل. فيها تُحل الخلافات، وتُروى الأخبار، ويجتمع الناس على الكلمة الطيبة، ويتعلم الصغار معنى احترام الكبير، وتقدير الرجال الذين حملوا همّ القرية وأهلها.

ومن الأسماء التي حفرت حضورها في ذاكرة المكان، ناصر اللحيدان، الذي ارتبط اسمه بالكرم وهيبة الرجال، حتى قيل فيه:

والله ما يرخص بصنعاء بضاعه
مادام ابن اللحيدان على جاهد القاع

وهو وصف لم يأتِ من فراغ، بل من سيرة رجلٍ كانت ناره موقدة للضيف، ومجلسه حاضرًا للعابر، واسمه مرتبطًا بالأمان والمروءة في زمنٍ كانت فيه هذه الصفات رأس المال الحقيقي للرجال.

وكذلك الخطيب جارالله الشهيل، الذي ظل مضيفه ومجلسه في حي “الدرب” عنوانًا للضيافة والوفادة، يعرفه المارون كما يعرف الناس معاني الكرم القديمة، فكان مضيف الشهيل محطة للقاء، ومجلسًا يجتمع فيه الناس على الألفة والخير، وتبقى فيه القهوة والتمر طعام للضيوف، ومقر للوجوه البشوشة تطفي عن عابري الطريق العناء والخوف والتعب وجزءًا من ذاكرة الطريق والقرية.

ويُذكر بالخير أيضًا عبدالله الحمود المهوس، بما عُرف عنه من تلمس الفقراء ومدّ يد العون للناس، ومساعدة المعسرين، والوقوف مع المحتاجين، حتى أصبحت سيرته مرتبطة بالعطاء الخفي الذي لا ينتظر مقابلًا، وبالخير الذي يترك أثره في النفوس قبل البيوت.

وفي العصر الحديث بقيت هذه القيم ممتدة في رجالٍ حملوا رسالة العلم والحكمة كما حمل السابقون قيم الكرم والإصلاح، ومنهم الوالد العم زيد الجارالله، الذي عُرف بسيرته الطيبة، ورجاحة عقله، ومرؤته، ومبادرته، وعدم تقبله للجور والظلم، وكراهيته للنزاع والخلاف، حتى أصبح سفيرًا للتعليم في دولة عمان قبل اكثر من نصف قرن، يحمل رسالة المعرفة كما يحمل أخلاق أهل القرى الأصيلة وتربيتهم الممتدة.

ولم تكن مكانته ناتجة عن منصبٍ أو لقب، بل عن أثرٍ إنساني تركه في الناس، وعن حضورٍ صادقٍ في المجالس والعلاقات، وعن قلبٍ عرفه الجميع بالحكمة والإصلاح وحسن المعشر. وفي هذا العيد، حين ألمّ به عارضٌ صحي، ظهر مقدار محبته ومكانته بين الناس، حتى أصبح السؤال عنه حاضرًا في المسجد والمجالس، وكأن غيابه المؤقت أعاد للجميع معنى قيمة الرجال الذين يتركون أثرًا في القلوب قبل الأماكن.

وهذه المشاعر الصادقة لا تُصنع في يومٍ وليلة، بل هي ثمرة تربية نادرة تنمو في الأسر الممتدة والقرى المترابطة، حيث يتعلم الأبناء احترام الكبير، وخدمة الناس، وحفظ الود، وحمل المسؤولية الاجتماعية بصدق وإخلاص.

إن وسيطاء الحفن ليست مجرد مزارع ممتدة وبيوت متجاورة، بل ذاكرة اجتماعية تحفظ أسماء الرجال الذين صنعوا من الكرم، وهيبة الكبير، وصلة الرحم، والتكافل، تاريخًا حيًا للماضي،وحاضرًا في وجدان أهلها جيلاً بعد جيل.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى