العمى الاستراتيجي.. حين يقوض الإجماع أمن القرار

✍️ حسن المقصودي-كاتب سعودي:
في أدبيات الإدارة العليا وصناعة القرار الجيوسياسي، يبرز التفكير الجمعي لا بوصفه ظاهرة اجتماعية عابرة، بل كونه أحد أخطر الثغرات الاستراتيجية التي تفخخ هياكل المستقبل، فهو يمثل حالة من الارتهان المعرفي لسطوة الجماعة، حيث تتحول الرغبة في التناغم إلى عقيدة صامتة تلغي آليات التقييم المنطقي، وتقايض جودة القرار بوهم الاستقرار المؤسسي الذي يسبق الانهيار.
إن منظورنا الاستراتيجي يرى أن القوة الحقيقية لأي كيان لا تكمن في وحدة الصوت، بل في تعددية المسارات العقلية، فعندما تمارس القيادة بوعي أو بغير وعي ضغطاً غير مرئي لتوحيد الرؤى، فإنها تصنع بيئة طاردة للذكاء الإبداعي، وتغرس بذور الفشل في تربة الامتثال. إن هندسة القرار الواعي تقتضي أن تمر كل فكرة عبر مختبر النقد القاسي، فالقرار الذي لا يحتمل المعارضة هو قرار يفتقر إلى المتانة الاستراتيجية، وهو أول من سيتداعى عند أول اصطدام بواقع الميدان، خاصة في لحظات الأزمات التي تفصل بين احتواء التهديد والانهيار الشامل.
وتتجلى الكارثة الاستراتيجية لهذا العمى الجماعي في جبهات حيوية تبدأ بالانحياز التأكيدي، حيث تهمل المنظمة الإشارات التحذيرية المبكرة لأنها تزعج طمأنينة الخطة الكبرى، وصولاً إلى إقصاء البدائل عندما يصبح البحث عن خيار ثالث نوعاً من التغريد خارج السرب، مما يحصر المنظمة في زاوية حرجة أمام المتغيرات المتسارعة، وينتهي الأمر بتبديد رأس المال الفكري عبر تحويل العقول المبدعة إلى أدوات تنفيذية تخشى المساءلة عن الاختلاف، مما يؤدي إلى ركود الابتكار وفقدان المرونة في إدارة المخاطر المعقدة.
إن الشفافية الواعية تفرض علينا اليوم مغادرة مربع المجاملة التنظيمية نحو مأسسة الاختلاف البناء، فالاستراتيجية الناضجة هي التي تتبنى مفهوم محامي الشيطان كوظيفة سيادية داخل غرفة القرار، حيث تمنح الشرعية الكاملة لمساءلة المسلمات وتقويض الإجماع الهش.
إننا بحاجة إلى قادة يمتلكون الشجاعة لاستضافة الرأي الصادم، مدركين أن كلفة سماع النقد اليوم أقل بكثير من كلفة الفشل الاستراتيجي غداً، وأن الحقيقة الاستراتيجية المرة تؤكد أن المؤسسات لا تنهار دائماً بسبب قوة الخصوم، بل غالباً بسبب وهن البصيرة الناتج عن غياب النقد الداخلي.
إن الرهان المستقبلي لا يقوم على حشد المؤيدين، بل على صناعة بيئة تحتمل الصدام الفكري لإنتاج الصلابة الواقعية، فالحقيقة لا تشرق إلا من زوايا الرؤية المتعددة، والقرار الذي لا يختبر بنار الاعتراض لا يستحق التنفيذ، وليكن شعارنا الاستراتيجي دائماً أننا نختلف لكي ننمو، فالتفكير الجمعي هو الصدأ الذي يأكل مفاصل القرار وهو في أوج لمعانه، بينما يظل الاختلاف الواعي هو الضمانة الوحيدة لاستدامة الوعي ومنعة البناء في وجه العواصف المتغيرة.
للتواصل:[email protected]



